مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

عبدالعزيز قاسم* هذه قطعةٌ من كتابي في أدب الرحلات «قازان: الأندلس الأخرى»؛ أعود …

من ياقوت إلى دنقي: عجائب بُلغار على ضفاف الفولغا

منذ 35 دقيقة

4

0

عبدالعزيز قاسم*

هذه قطعةٌ من كتابي في أدب الرحلات «قازان: الأندلس الأخرى»؛ أعود فيها من نافذةٍ قازانية إلى مدينة بُلغار القديمة، تلك التي تقع في أقصى الشمال، وهي بجمهورية قازان الروسية اليوم، أصفها كما رآها الرحّالة المسلمون: بلادًا اختلّ فيها ميزان الزمن، وقست الأرض حتى فاوضت الموتى، واتّسع الخيال لرجلٍ يحمل الفرس تحت إبطه.

من أيّ باب ندخل إلى مدينة بُلغار القديمة؟
من الباب الذي أغرى الرحّالة بها قبل غيره: الزمن.
في مدن الدنيا تختلّ القلوب، أو تختلّ السياسة، أو يختلّ العمران. أمّا في بلغار، فيختلّ الليل نفسه. ولذلك لم يذهب بعض الرحّالة إليها إلا ليرى بعينه: أأصاب الساعة هناك مسٌّ من الجنون، أم بالغ الناس في وصفها حتى صار الليل طرفةً جغرافية؟

«طول النهار ببلغار يبلغ عشرين ساعة، وليلهم يبقى أربع ساعات، وإذا قصر نهارهم يعكس ذلك.»
أبو حامد الغرناطي

«وكنت سمعت بمدينة بلغار، فأردت التوجه إليها لأرى ما ذكر عنها من انتهاء قصر الليل بها، وقصر النهار أيضًا في عكس ذلك الفصل.»
ابن بطوطة
الرحّالة المغربي، صاحب «تحفة النظار»
«الإنسان يجعل القدر على النار وقت المغرب، ثم يصلي الغداة، وما آن لها أن تنضج.»
ياقوت الحموي
الجغرافي والأديب، صاحب «معجم البلدان»

وابن فضلان نفسه لم يسلم من هذا الارتباك الفلكي؛ فقد تداخلت عليه مواقيت الصلاة، واختلط الشفق بالفجر، حتى لم يعد يدري أين ينتهي المغرب وأين يبتدئ العشاء.
ولا عجب؛ فالرجل خرج من بغداد، حيث الليل والنهار يتصافحان بأدب ويتبادلان المواقع في هدوء، فإذا به في بلدٍ لا يعرف الليل فيه آداب الزيارة: يأتي متأخرًا ويغادر مبكرًا، أو يغيب أيامًا ثم يعود دفعةً واحدة!
«جرّبناه بالآلات الرصدية فوجدناه كذلك تحريرًا.»
القلقشندي المؤرخ والأديب الموسوعي، صاحب «صبح الأعشى»، ناقلًا عن أبي الفداء، صاحب «تقويم البلدان»

«وأمّا بلغار، فهي في نهاية العمارة من الشمال… وقد قست طول نهارها فوجدته يبلغ سبع عشرة ساعة ونصفًا في الصيف… حتى لا يكاد المرء يميّز بين الشفق والفجر.»
البيروني العالم الموسوعي، صاحب «الآثار الباقية»

هنا ينهار ميزان ابن الصحراء انهيارًا محترمًا.
تضع القدر على النار وقت المغرب، ثم تذهب لتصلي الفجر وهي لم تنضج بعد؟ أيّ مطبخ هذا الذي يُدار على توقيت قيام الليل؟
ومسكين ابن بطوطة؛ ما شدّ رحاله إلى بلغار إلا ليتحقق بنفسه: هل ما تزال عقارب الساعة هناك تعمل على مزاج البشر، أم أنها دخلت في طاعة الشمس مباشرة؟

ثم يأتي القلقشندي، ومن وراءه أبو الفداء، ليقولا لك: جرّبناه بالآلات الرصدية. كأنهما يسبقانك إلى الاعتراض: لا، لسنا في مجلس سمرٍ أندلسي؛ هذا الجنون مقاسٌ ومحسوب.
ثم يجيء البيروني — وما أدراك ما البيروني — ليضع الرقم الدقيق: سبع عشرة ساعة ونصفًا! وكأنه يقول: أنا لا أروي حكايات؛ أنا أقيس الكون.

ولعلّ أجمل ما في هذه النصوص أنها لا تكتفي بوصف غرابة الليل، بل تجعل القارئ العربي يشعر بأن مواقيت العالم ليست واحدة، وأن السماء التي اعتدناها في بغداد ومكة والقاهرة لها في الشمال دفترٌ آخر.
وقد لمستُ طرفًا من هذه الحيرة وأنا في قازان؛ فالظهر والعصر والمغرب والعشاء تتقارب، حتى يُخيّل إليك أن اليوم لا يمشي على قدميه، بل يركض خائفًا من البرد.

أزحتُ الحاسوب عن ركبتي، كما يُزاح شاهدٌ قديم بعدما أثقل المجلس، ونهضتُ إلى نافذة فندق «نوغاي». كان شارع بومان ينام تحت الزجاج في بياضه، والثلج يتهامل فوق المصابيح كأنه يكتب حاشيةً صامتة على كلام ياقوت والبيروني وابن بطوطة.
نظرتُ إلى ساعتي الإلكترونية، تلك القطعة الصغيرة التي تختصر الزمن في أرقامٍ باردة، وابتسمت: ماذا كان سيقول ياقوت لو رأى هذا الضوء الأزرق يضبط ليل البلغار الذي حيّره؟
ثم عدتُ إلى الشاشة، لكنني لم أعد كما كنت؛ فقد صار الحاضر نفسه مخطوطةً أخرى على طرف النافذة.
بعض الأزمنة لا تُقرأ في الكتب وحدها؛ تُقرأ أيضًا في ثلجةٍ تهبط على زجاجٍ مضاء.

صقيعُ الموت
لكن الزمن ليس وحده الذي يختلّ في تلك البلاد؛ فالبرد لا يكتفي بأن يلسع الأنف والأصابع، بل يدخل في صميم الحياة الاجتماعية والموت والدفن. لا يعود الشتاء فصلًا من الفصول، بل سلطةً أعلى من العادة، تفاوض الناس في كل شيء، حتى في تسليم موتاهم إلى الأرض.
وابن فضلان — صاحب التجربة الأولى — يصف كيف كان البرد يحكم الحياة في الطريق إلى بلغار: الأغنام ترعى في الثلج، وتبحث بأظلافها عن الحشيش، فإذا لم تجده أكلت الثلج نفسه. والمبيت بلا نار كان يعني موتًا باردًا لا يستأذن.
والأصدقاء هناك لا يدعو بعضهم بعضًا إلى فنجان قهوة كما نفعل نحن أبناء الصحراء، بل يدعو أحدهم صاحبه «للحديث على نار طيبة»؛ لأن النار ليست رفاهية، بل الحدّ الفاصل بين أن تعود إلى بيتك إنسانًا أو تمثالًا من جليد.

«يشتد البرد فيها حتى إذا مات لأحد ميت، لا يقدر أن يدفنه ستة أشهر؛ لأن الأرض تصير كالحديد… ولقد مات لي بها ولد… فلم أقدر على دفنه، فبقي في البيت ثلاثة أشهر حتى أمكن دفنه، ويبقى الميت كالحجر.»
أبو حامد الغرناطي «وأهل بلغار أصبر الناس على البرد، وسببه أن أكثر طعامهم العسل ولحم القندر والسنجاب.» القزويني المؤرخ والجغرافي، صاحب «آثار البلاد وأخبار العباد»
«شديدة البرد، لا يكاد ينقطع ثلجها صيفًا ولا شتاءً، حتى إن الأرض لتنشق من شدة الجليد.»

ياقوت الحموي
والطريف أن ياقوت الحموي — وهو من أجلّ من نقل عن ابن فضلان — لم يكن يبتلع كل ما يقرؤه بلا مضغ. فحين وصف ابن فضلان تجمّد نهر أتيل، وبالغ في سمك الجليد، علّق ياقوت بأدب العالم الذي يحترم مصدره، لكنه لا يسلّمه عقله:
«وهذا كذب منه؛ فإن أكثر ما يجمد خمسة أشبار، وهذا ما يكون نادرًا، فأمّا العادة فهو شبران أو ثلاثة، شاهدتُه وسألتُ عنه أهل تلك البلاد.»

تأمل هذا النقد الأنيق: لا يُسقط النص ولا يهدم صاحبه، لكنه يقول له: تمهّل يا ابن فضلان؛ فأنا أيضًا شاهدتُ وسألت.
وهذا، في رأيي، من أجمل ما في تراثنا الجغرافي: أن الناقل لم يكن دائمًا ببغاءً يردد، بل مراجعًا ميدانيًا يحمل في حقيبته عينًا شاكّة.
هذا ليس بردًا؛ هذا نظامٌ بلدي كامل.

الأرض هناك لا تستقبل الميت حتى تقتنع، والبيت قد يتحول مؤقتًا إلى مقبرة مؤجّلة. ومسكين أبو حامد الذي مات ولده، فلم يستطع أن يواريه التراب ثلاثة أشهر؛ إن في هذا السطر وحده من الوجع ما يكفي لأن نضع الكتاب جانبًا ونصمت طويلًا.
ثم يجيء القزويني — غفر الله له — بكل هدوء، ليخبرنا أن سرّ الصبر على هذا كله هو العسل ولحم القندر والسنجاب!
والله إن هذه العبارة وحدها كفيلة بإعادة تعريف «الأمن الغذائي» في بلاد الشمال: كُلْ سنجابًا، واصبر على شتاء الفولغا!

دنقي: العملاق اللطيف

هنا ندخل إلى الباب الذي يبتسم له القلب قبل العقل: باب العجيب البشري.
ولستُ من الذين يفرحون بإسقاط مثل هذه الأخبار بحجة «العقلانية الحديثة». لا يا سيدي؛ هذه الأخبار ذهبُ أدب الرحلات نفسه، لأنها تخبرنا — فوق ما إذا كانت وقعت أو لم تقع — كيف كان الخيال العربي يتلقى الشمال، وكيف كان الرحّالة إذا اتّسع له باب العجيب مضى فيه إلى منتهاه، من غير وجلٍ ولا استئذان.

وإذا كان ابن فضلان قد قدّم لنا الشمال بوصفه وثيقة، فإن أبا حامد قدّمه أحيانًا بوصفه مسرحًا. وليس ذلك عيبًا في الفن، بل أحد وجوه قوته.
«ولقد رأيت في بلغار سنة ثلاثين وخمسمائة من نسل العادين رجلًا طويلًا، كان طوله أكثر من سبعة أذرع! كان يسمى دنقى، وكان يأخذ الفرس تحت إبطه كما يأخذ الإنسان الحمل الصغير!»
أبو حامد الغرناطي
وفي نصّه رُسم الاسم «دنقى»، وجرى السرد هنا على «دنقي»
«وكان له أخت على طوله… إن هذه المرأة الطويلة قتلت زوجها… ضمته إليها فكسرت أضلاعه، فمات في ساعته.»
أبو حامد الغرناطي «وكان في خدمة ملك بلغار… ويقاتل راجلًا بخشبة في يده طويلة… والأتراك يهابونه، فإذا رأوه مقبلًا إليهم انهزموا، ومع ذلك كان لطيفًا مصلحًا عفيفًا.»
القزويني

وفي خبرٍ آخر تداولته مصنفات الجغرافيا من مرويات الشمال، يُروى أن الملك ذكر رجلًا من العمالقة سقط في بلاده، وأن رأسه كان كالقفيز الكبير، وأضلاعه أكبر من أعجاز النخل.

أقسم لك يا صديقي أن «دنقي» هذا يستحق نصبًا تذكاريًا وحده في أدب الرحلات: رجل يحمل الفرس تحت إبطه كما يحمل أحدنا كيس البقالة، ويهزم المقاتلين بخشبة في يده، ثم يطمئننا القزويني — بعد هذا كله — بأنه كان «لطيفًا مصلحًا عفيفًا»!
وهذه العبارة الأخيرة ألطف ما في القصة؛ كأن الرجل بعدما حمل الخيل وهزم الترك عاد إلى البيت يسأل في هدوء:
هل شربتم الشاي؟
أمّا أخته، فقد أهدت البشرية أقدم تحذير مدوّن من مخاطر العناق الزائد عن الحد: ضمّت زوجها إليها فكسرت أضلاعه، ومات في ساعته. حنانٌ بلغ من فرط قوته أن احتاج إلى لائحة سلامة!

لكن السؤال ليس: أكان دنقي بهذه الضخامة حقًا؟
السؤال الأجمل: ماذا فعل الشمال بعين الرحّالة حتى احتاج، لكي يصف اتساعه ووحشته، إلى رجل يحمل الفرس تحت إبطه؟ فالعجيب في كتب الرحلات ليس هامشًا طفوليًا دائمًا؛ إنه جهاز قياسٍ آخر، تلجأ إليه اللغة حين تضيق الأرقام وتتسع الدهشة.
ذهب أولئك الرحّالة إلى بلغار وهم يحملون مواقيت بغداد، وطبائع الأرض، وأحجام البشر؛ ثم عادوا وقد اهتزت مقاييسهم الثلاثة: ليلٌ أقصر مما ينبغي، وترابٌ أصلب من أن يضم ميتًا، وإنسانٌ أطول من أن يصدقه الخيال.

في أقصى الشمال تتجمّد الأرض؛ وحده خيال الرحّالة يبقى مشتعلًا.

*إعلامي وكاتب صحفي

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود