4266
0
316
0
812
0
384
0
1484
0
7
0
7
0
22
0
8
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13773
0
13608
0
12428
0
12230
0
9751
0

الكاتبة: حصة بنت عبد العزيز*
ليست الحكاية ما يكتبه الكاتب فحسب، ولا تنتهي عند النقطة الأخيرة التي يضعها في آخر سطر؛ فهناك حياة أخرى للنص تبدأ حين يفتح الطفل الكتاب، ويعبر إلى عالمه، لا بوصفه متلقيًا لما كُتب فقط، بل قارئًا يعيد اكتشاف الحكاية بعين مختلفة، وخيال قادر على أن يرى في الكلمات ما لم تقله صراحة.
يكتب الكاتب الحكاية من موقعه، ويرسم شخصياتها، ويمنح أحداثها مساراتها، ويختار لكل تفصيل مكانه في البناء، لكن الطفل حين يدخل ذلك العالم لا يراه بالضرورة كما أراده صاحبه، قد تتوقف عينه عند تفصيل صغير أهمله الكاتب، وقد تمنح شخصية عابرة مساحة أكبر مما منحتها الصفحات، وقد يرى في مشهد واحد بداية لحكاية أخرى.
وهنا تكمن إحدى جماليات أدب الطفل: أن النص لا يظل محصورًا في حدود ما أراده مؤلفه، بل يترك مساحة للقارئ كي يسكنه بطريقته، فالحكاية المكتوبة واحدة، لكن صورها في المخيلة قد تتعدد بتعدد القراء.
قد يقرأ الطفل عن عصفور غادر عشه، فلا تكون مغادرته هي ما يستوقفه، بل العش الذي تركه خلفه.
من بقي فيه؟ ماذا حدث بعد الرحيل؟ وهل عاد العصفور ذات مساء؟
أسئلة لا تحتاج إلى أن تكون مكتوبة كي تولد؛ يكفي أن تمنحها الحكاية مساحة صغيرة، حتى تبدأ في التشكل داخل ذهن قارئها.
وقد يتوقف عند باب موارب في نهاية القصة، بالنسبة إلى الكاتب، ربما كان الباب مجرد تفصيل في المشهد، أما الطفل فقد يراه بداية لعالم آخر، ماذا يوجد خلفه؟ من يسكن المكان؟ ولماذا تُرك مفتوحًا؟ وهكذا يتحول التفصيل الهامشي إلى مركز لحكاية جديدة، لا تزال صفحاتها بيضاء، لكن خيال الطفل بدأ بكتابتها.
إن الطفل حين يقرأ لا يتعامل مع الكلمات باعتبارها علامات مكتملة الدلالة دائمًا؛ فهو يملأ الفراغات التي يتركها النص، ويمنح الصور امتداداتها الخاصة، ويرسم للشخصيات ملامح قد تختلف عما تخيله الكاتب، وربما كانت الصورة المرسومة أمامه لا تكفيه، فيضيف إليها في ذهنه حركة لم ترسم، أو صوتًا لم يُسمع، أو لونًا لم يضعه الرسام.
وفي الحكاية التي تحسن الإصغاء إلى خيال قارئها، لا تكون كل الأبواب مغلقة، ولا تكون كل الإجابات جاهزة، ثمة مساحات صامتة تتيح للطفل أن يتأمل، ونهايات يمكن أن تستمر في داخله، وشخصيات لا تنتهي رحلتها بانتهاء الصفحة.
وهذا لا يعني أن قيمة النص تتحدد بمقدار ما يضيفه الطفل إليه، ولا أن الكاتب مطالب بأن يترك حكايته ناقصة؛ فالنص الأدبي المتماسك يحتفظ ببنيته وجمالياته ورؤيته، لكنه فـي الـوقت نفسه قـادرعـلى أن يمنح قـارئه مجالًا للـحركة داخـلـه، فبين اكتمال النص وانفتاح دلالته تتشكل إحدى أجمل العلاقات بين الأدب وقارئه.
ولذلك قد تأتي قراءة الطفل أحيانًا بما يفاجئ الكاتب نفسه، فقد يكتشف المؤلف أن شخصية ظنها هامشية أصبحت في مخيلة الطفل بطلة الحكاية، أو أن جملة عابرة حملت إليه معنى لم يقصده، أو أن مشهدًا لم يمنحه أهمية كبيرة صار أكثر مشاهد القصة رسوخًا في ذاكرة قارئه.
وهنا لا يعود الطفل مجرد مستقبل للحكاية، بل يصبح جزءًا من حركتها الأدبية؛ ليس لأنه يعيد كتابتها على الورق، وإنما لأنه يـعيد إنـتاجها في مـخيلتـه، فالقراءة فـعل إبداعي من نوع آخر، يستكمل فيه الـقارئ مـا تـركه الـنص مـن احتمالات، ويمنح الكلمات صورًا وأصواتًا وامتدادات لا يمكن للكاتب أن يكتبها كلها.
ولعل هذا ما يجعل أدب الطفل مساحة شديدة الخصوصية؛ فالحكاية لا تنتقل من الصفحة إلى عقل الطفل كما هي، وإنما تعبر إلى عالمه فتتغير صورتها، قد يكبر فيها شيء، ويتراجع آخر، وتتبدل ملامح شخصية، ويتسع مشهد صغير حتى يصبح عالمًا كاملًا.
والكاتب حين يكتب للطفل لا يكتب لعقل واحد، ولا لمخيلة واحدة؛ إنه يضع حكاية أمام قراء متعددين، لكل واحد منهم نافذته الخاصة التي ينظر منها إلى النص. ومن هنا لا تكون الحكاية نهاية لمعنى، بل بداية لاحتمالاته.
وربما كانت أجمل لحظات الحكاية تلك التي يقول فيها الطفل، بعد أن ينتهي الكاتب من قوله: «لكنني أظن أن الأمر حدث بطريقة أخرى».
في هذه الجملة القصيرة لا يعترض الطفل على الحكاية بقدر ما يكشف عن حكاية أخرى نشأت منها. حكاية لم يكتبها المؤلف، ولم يرسمها الرسام، ولم تحتج إلى صفحة جديدة؛ لأنها وجدت مكانها في خيال قارئ صغير.
وهكذا لا تنتهي الحكاية حين يغلق الطفل الكتاب؛ فقد يكون آخر سطر فيها هو أول سطر في حكاية أخرى، يكتبها الخيال وحده.
فبعض الحكايات لا تقول كل شيء، وربما كان جمالها في أن تترك للطفل شيئًا يقوله هو.
*كاتبة سعودية
7aerh_4@