1364
0
751
0
845
0
626
0
716
0
7
0
6
0
22
0
7
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13773
0
13608
0
12428
0
12230
0
9751
0

د.محمد الموسوي*
لم تكن حكاية الطفل في العراق مجرد وسيلة للتسلية، ولم يكن الكتاب الموجّه إليه مجرد صفحات ملونة تُملأ بالكلمات والصور. فمنذ أن بدأت الكتابة المخصصة للطفل تأخذ طريقها إلى الأدب العراقي، أخذت معها محاولة لصياغة عالم يستطيع الطفل أن يرى نفسه فيه، وأن يتعرف من خلاله إلى أسرته وبيئته ومجتمعه وتاريخه، ولهذا فإن النظر إلى أدب الطفل اليوم لا يمكن أن يكون منفصلًا عن الذاكرة الثقافية التي تشكل منها، ولا عن التحولات الجديدة التي أصبحت تعيد تشكيل علاقة الطفل بالكتاب والحكاية.
لقد شهد أدب الطفل في العراق مسارًا تاريخيًا متدرجًا؛ إذ بدأت المحاولات الأولى في العقود المبكرة من القرن العشرين، ثم أخذت الكتابة الموجهة للطفل تتطور وتتسع في موضوعاتها وأشكالها، وقد خُصصت دراسات عراقية حديثة لرصد نشأة القصة الموجهة للطفل وتطورها، وتتبعت مراحلها منذ البدايات وصولًا إلى مراحل لاحقة من القرن العشرين. كما شهدت الثمانينيات نشاطًا واضحًا في مجال القصة التاريخية الموجهة للطفل، وأسهمت المؤسسات الثقافية المتخصصة آنذاك في احتضان هذا اللون وإثرائه.
وهكذا لم يكن أدب الطفل العراقي وليد اللحظة، بل هو جزء من تاريخ ثقافي طويل حاول فيه الأدباء أن يقدموا للطفل الحكاية، وأن يجعلوا الأدب نافذة للتعرف إلى العالم. غير أن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم يختلف عن الأسئلة التي كانت مطروحة قبل عقود: ماذا يريد طفل اليوم من الأدب؟ وهل ما زالت الأشكال التقليدية قادرة وحدها على الوصول إليه؟
إن الطفل الذي كان ينتظر صدور مجلة أو كتاب جديد أصبح يعيش في فضاء مفتوح من الصور والأصوات والمقاطع القصيرة والألعاب والمنصات الرقمية. ولم تعد الحكاية تصل إليه بالضرورة من خلال الكتاب الورقي. وفي هذه البيئة الجديدة، أصبحت المنافسة على انتباه الطفل أكثر تعقيدًا، الأمر الذي يجعل مستقبل أدب الطفل مرتبطًا بقدرته على فهم التحول في عادات التلقي، من دون أن يفقد هويته الأدبية.
وهنا تظهر واحدة من أهم الإشكالات التي تواجه الكتابة للطفل: هل ينبغي أن تتغير الحكاية لأن وسائل التلقي تغيرت؟
ربما لا تحتاج الحكاية إلى التخلي عن جوهرها، لكنها تحتاج إلى إعادة اكتشاف نفسها. فالحكاية الجيدة تظل قادرة على الوصول إلى الطفل، سواء قرأها في كتاب ورقي، أو شاهدها في كتاب إلكتروني، أو تفاعل معها عبر وسيط رقمي. الذي يتغير هو طريقة تقديمها، أما الحاجة الإنسانية إلى الحكاية فتبقى.
ولعل هذا هو المدخل الحقيقي لفهم مستقبل أدب الطفل، فالمشكلة ليست في وجود التكنولوجيا، وإنما في الطريقة التي يتعامل بها الأدب معها. يمكن للتكنولوجيا أن تكون منافسًا للكتاب، لكنها يمكن كذلك أن تصبح وسيلة جديدة لنشره وتطويره، ويمكن للقصة الرقمية أن تضيف الصوت والحركة والصورة والتفاعل إلى النص، من دون أن تلغي اللغة والسرد والشخصية.
وتشير دراسات حديثة في مجال أدب الطفل العربي إلى أن التحولات الثقافية والتكنولوجية أدت إلى اتساع مصادر المعرفة التي يتعرض لها الطفل، وأوجدت فجوة بين بعض عناصر الموروث الثقافي وبين عالم الطفل المعاصر، كما تؤكد هذه الدراسات أهمية إعادة الاهتمام بأدب الطفل بوصفه أحد العناصر المؤثرة في تشكيل الثقافة والهوية.
غير أن الحديث عن الهوية لا ينبغي أن يتحول إلى عودة جامدة إلى الماضي، فالطفل ليس نسخة من الطفل الذي عاش قبل خمسين أو مئة عام؛ إنه يعيش في عالم مختلف، ويتعامل مع مفاهيم جديدة، ويطرح أسئلة لم تكن حاضرة بالصورة نفسها في الأجيال السابقة، ومن ثم فإن الحفاظ على الهوية لا يعني أن نعيد إنتاج الحكايات القديمة بالطريقة ذاتها، بل أن نستخرج منها الصور والرموز والدلالات القادرة على الحوار مع الحاضر.
إن التراث يمكن أن يكون مادة خصبة لأدب الطفل، لكنه يحتاج إلى معالجة أدبية جديدة، فبدل أن نقدم للطفل التاريخ في صورة معلومات جافة، يمكن أن نضعه داخل حكاية، ونمنحه شخصية يتابع رحلتها، ونجعل من الماضي عالمًا حيًا لا مجموعة من التواريخ والأسماء.
وهنا تبدو أهمية القصة التاريخية في أدب الطفل العراقي، فالعراق يمتلك مادة تاريخية وحضارية واسعة يمكن أن تتحول إلى آلاف القصص الموجهة إلى الأطفال: المدن القديمة، والأنهار، والعلماء، والرحالة، والأسواق، والحرف والعمارة، والمخطوطات، والمواقع الأثرية، والشخصيات التي أسهمت في تشكيل الحياة الثقافية والاجتماعية، وقد أظهرت الدراسات الخاصة بالقصة التاريخية في العراق أن التاريخ كان حاضرًا في الكتابة الموجهة للطفل، ولا سيما في نتاج الثمانينيات. (مجلة الأبحاث والدراسات العربية).
لكن الكتابة التاريخية للطفل تحتاج إلى قدر كبير من الحذر، فالكاتب ليس مطالبًا بتحويل القصة إلى كتاب تاريخ مدرسي، كما أنه ليس حرًا في تغيير الحقائق الأساسية لمجرد خدمة الحبكة، المطلوب هو إيجاد التوازن بين الحقيقة التاريخية والخيال الأدبي؛ بحيث يشعر الطفل بأنه دخل إلى زمن آخر، دون أن يفقد النص قيمته الفنية أو دقته التاريخية.
وفي مقابل ذلك، فإن أحد أوجه الضعف التي يمكن ملاحظتها في بعض الكتابات الموجهة للطفل يتمثل في الإفراط في المباشرة، فالكاتب أحيانًا يريد أن يلقّن الطفل فكرة أو قيمة، فينسى أن الطفل جاء إلى القصة أولًا بحثًا عن المتعة والدهشة، يريد أن يتحدث عن الصدق، فيجعل الشخصية تلقي عليه درسًا مباشرًا فيه، ويريد أن يتناول حب الوطن فيضع خطابًا طويلًا عن الوطن داخل فم الشخصية.
لكن الأدب لا يعمل بهذه الطريقة دائمًا.
إن الطفل يمكن أن يكتشف معنى الصدق من خلال شخصية تكذب ثم تواجه نتيجة كذبها، ويمكن أن يلمس معنى الصداقة من خلال مغامرة تجمع طفلين، ويمكن أن يكتشف معنى المسؤولية من خلال موقف صغير داخل القصة، وكلما تراجع الوعظ المباشر، ازدادت مساحة الفن.
ولهذا فإن مستقبل أدب الطفل يحتاج إلى الانتقال من تقديم الفكرة بصورة مباشرة إلى تجسيدها داخل التجربة السردية.
ولا يعني ذلك أن يخلو أدب الطفل من المعاني الإنسانية؛ بل إن هذه المعاني تكون أكثر حضورًا وتأثيرًا حين تنبع من داخل الحكاية نفسها، ومن الشخصيات والمواقف والصراع والحوار، لا حين تُفرض عليها من الخارج.
وتؤكد الدراسات الحديثة أهمية الأدب في تشكيل الوجدان والانتماء الثقافي، مع الإشارة في الوقت نفسه إلى الحاجة إلى مزيد من البحث في الوسائط الرقمية التفاعلية الموجهة للأطفال.
ومن القضايا التي تستحق اهتمامًا أكبر أيضًا قضية اللغة، فالطفل العربي يعيش اليوم بين العربية الفصحى واللهجات المحلية والمفردات الأجنبية واللغة الرقمية السريعة، وهذه البيئة اللغوية المتعددة تفرض على الكاتب مسؤولية دقيقة: كيف يحافظ على جمال العربية من دون أن يجعل النص غريبًا عن الطفل؟
إن الحل ليس في تبسيط العربية إلى حد إفقادها جمالها، ولا في استخدام لغة عالية التعقيد لا تتناسب مع عمر القارئ. المطلوب هو لغة فصيحة واضحة، موسيقية، حية، وقادرة على تقديم المفردة الجديدة ضمن سياق يجعل الطفل قادرًا على فهمها.
ومن هنا فإن الكاتب الذي يكتب للطفل لا يكتب بلغة أقل قيمة، بل يكتب بلغة أكثر دقة، فالطفل القارئ لا يحتاج إلى أن نخفض مستوى اللغة، وإنما يحتاج إلى أن نحسن اختيارها.
وفي العراق تحديدًا، يمكن لأدب الطفل أن يستفيد من التنوع الثقافي والجغرافي الهائل الذي يميز المجتمع العراقي. فالجنوب والوسط والشمال، والمدن والقرى، والأنهار والأهوار، والبادية والمدينة، كلها عوالم قادرة على إنتاج الحكاية. ويمكن للطفل أن يجد في الأدب صورًا من بيئته المحلية، لا بوصفها مادة فولكلورية فحسب، وإنما باعتبارها جزءًا من الحياة المعاصرة.
وهذا يقودنا إلى مسألة أخرى، هي ضرورة عدم اختزال الطفل العراقي في صورة واحدة، فالطفل الذي يعيش في مدينة كبيرة ليس هو نفسه الطفل الذي يعيش في قرية أو منطقة ريفية، كما أن تجاربه واهتماماته تتأثر بالبيئة الاجتماعية والثقافية التي يعيش فيها، وكلما اقترب الأدب من هذه التفاصيل الإنسانية، أصبح أكثر قدرة على إنتاج شخصيات حقيقية.
وقد أظهرت دراسة تناولت النتاج الأدبي الموجه للطفل في العراق بعد عام 2003 وجود تنوع في القصة والرواية الموجهتين للطفل، مع اختلاف الاتجاهات والأنواع الأدبية التي تناولها الكتاب في هذه المرحلة.
لكن التحدي لا يتعلق بالإنتاج وحده، وإنما أيضًا بوصول الكتاب إلى الطفل، فوجود النص الأدبي لا يعني بالضرورة وجود القارئ، هناك حاجة إلى المكتبات المدرسية والعامة، وإلى النشاطات القرائية، وإلى المعارض، وإلى إتاحة الفرصة للطفل لاختيار الكتاب بنفسه، فالطفل الذي يختار كتابه قد يكتشف علاقة مختلفة بالقراءة عن الطفل الذي يُفرض عليه الكتاب فرضًا، ومن هنا فإن مستقبل أدب الطفل مرتبط أيضًا بمستقبل ثقافة القراءة.
وإذا انتقلنا إلى المستقبل، فإن الذكاء الاصطناعي سيكون أحد أكثر العناصر تأثيرًا في صناعة محتوى الطفل، وستظهر قصص قادرة على التفاعل مع القارئ، وشخصيات يمكن أن تتغير وفق اختياراته، وربما نصوص تنتج نسخًا مختلفة من القصة بحسب عمر الطفل واهتماماته.
وهذا التطور يفتح أبوابًا واسعة، لكنه يطرح في الوقت نفسه أسئلة جديدة حول دور الكاتب، وحقوق الملكية، وجودة المحتوى، ومصداقية المعلومات، والخصوصية، وحدود استخدام التكنولوجيا مع الأطفال.
لذلك فإن المستقبل لا ينبغي أن يكون مجرد سباق نحو إنتاج المزيد من المحتوى الرقمي، فالمطلوب هو محتوى جيد أولًا، ثم البحث عن الوسيلة المناسبة لتقديمه.
إن الطفل يحتاج إلى قصة تجعله يضحك، وأخرى تجعله يتساءل، وثالثة تفتح أمامه نافذة على التاريخ، ورابعة تجعله يتأمل الطبيعة، وخامسة تمنحه مساحة لمواجهة الخوف واكتشاف ذاته، ولا ينبغي أن يكون كل نص موجهًا إلى الطفل نسخة من الدرس المدرسي.
فالأدب يمنح الطفل شيئًا لا يستطيع الدرس وحده أن يمنحه: القدرة على تخيل ما لا يراه.
ومن هنا يمكن أن يصبح أدب الطفل مشروعًا ثقافيًا متكاملًا، لا مجرد نشاط نشر محدود، فالكاتب يحتاج إلى مؤسسة تدعمه، والرسام يحتاج إلى مساحة للإبداع، والناشر يحتاج إلى سوق، والمدرسة تحتاج إلى مكتبة، والأسرة تحتاج إلى وعي بأهمية القراءة، والطفل يحتاج إلى حرية الاكتشاف.
إن مستقبل أدب الطفل العراقي والعربي لن يكون في العودة إلى الماضي ولا في القطيعة معه، بل في بناء جسر بين الاثنين، فالطفل يحتاج إلى أن يعرف من أين جاء، لكنه يحتاج كذلك إلى أن يتخيل إلى أين يذهب.
وهنا يمكن أن تستعيد الحكاية القديمة دورها من جديد، ولكن في صورة جديدة، يمكن أن يدخل الطفل إلى بغداد القديمة عبر قصة رقمية، أو يسافر مع شخصية خيالية على طريق تاريخي، أو يكتشف حكاية من حكايات الأهوار، أو يعيش مغامرة في مدينة عراقية قديمة، ثم يعود إلى واقعه وهو يحمل سؤالًا جديدًا.
وهذا هو الدور الأعمق للأدب: ألا يعطي الطفل الإجابات كلها، وإنما أن يمنحه القدرة على طرح الأسئلة.
لقد تغيرت الوسائل، وتغيرت سرعة الحياة، وتغيرت صورة الطفل، لكن الإنسان الصغير ما زال يبحث عن الحكاية. وما دام الطفل يبحث عن الحكاية، فإن أدب الطفل لن ينتهي، الذي سيتغير هو شكل الحكاية، ووسيطها، وطريقة وصولها.
ولهذا فإن مستقبل أدب الطفل لا يبدو مرهونًا ببقاء الكتاب الورقي وحده، ولا بانتصار الوسائط الرقمية وحدها، وإنما بقدرة الأدب على المحافظة على جوهره الإنساني داخل عالم سريع التحول.
إن الحكاية التي كانت تُروى شفهيًا يمكن أن تصبح كتابًا، والكتاب يمكن أن يصبح شاشة، والشاشة يمكن أن تصبح عالمًا تفاعليًا؛ لكن القيمة الحقيقية تظل في تلك اللحظة التي يجد فيها الطفل نفسه داخل الحكاية، يرى شيئًا من أحلامه ومخاوفه وأسئلته، ثم يخرج منها مختلفًا قليلًا عما كان عليه قبل أن يفتح الصفحة الأولى.
ومن هنا، فإن السؤال عن مستقبل أدب الطفل ليس سؤالًا عن الكتاب وحده، بل عن العالم الذي نريد أن نتركه للطفل. فالمحتوى الذي نقدمه للأطفال اليوم سيكون جزءًا من ذاكرتهم غدًا، والقصص التي نرويها لهم قد تصبح إحدى الطرق التي ينظرون بها إلى أنفسهم وإلى الآخرين وإلى العالم، ولذلك فإن العناية بأدب الطفل ليست ترفًا ثقافيًا، وإنما عناية بالذاكرة واللغة والخيال والإنسان.
فالطفل الذي يتعلم أن يتخيل، يستطيع أن يبتكر؛ والطفل الذي يتعلم أن يسأل، يستطيع أن يفكر؛ والطفل الذي يجد في الكتاب عالمًا واسعًا، قد يحمل الكتاب معه إلى عالم المستقبل.
وهنا تبدأ الحكاية من جديد.
*كاتب من العراق