326
0
218
0
1076
0
759
0
624
0
6
0
9
0
4
0
5
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13805
0
13642
0
12457
0
12246
0
9778
0

د. صالح الثبيتي*
يمثل اللعب في عالم الطفل مساحة رحبة تتشكل فيها الصور والحكايات، وتتجاوز الأشياء حدودها المألوفة لتكتسب دلالات جديدة. فقد تتحول لعبة صغيرة إلى بطل يخوض مغامرة بعيدة، ويصبح الصندوق سفينة تعبر البحار، فيما يغدو الخط المرسوم على صفحة بيضاء بداية لعالم لم تكتمل ملامحه بعد. وفي هذه المساحة المتجددة، تتجاور التجربة والخيال، وتتكون علاقة الطفل بالأشياء من حوله، لتمنح اللعب صلة وثيقة بعالم الأدب والفنون.
ولا تنحصر الحكاية في الكلمات المكتوبة أو الأحداث التي ينسجها الكاتب، بل قد تبدأ من لعبة تتحرك في المخيلة، أو مشهد يتخيله الطفل، أو شخصية يمنحها ملامح وصوتًا ومغامرة. فاللعب، في جانب منه، يشبه فعل الحكي؛ إذ يعيد ترتيب الواقع، ويمنح تفاصيله مسارات جديدة، ويفتح أمام الخيال أبوابًا لا تحدها حدود المكان والزمان. من هنا تتقاطع عوالم اللعب وأدب الطفل في قدرتهما على صناعة الدهشة، واستحضار عوالم تتجاوز المألوف.
ويأتي الخط في هذا السياق بوصفه أحد أشكال التعبير البصري التي تتجلى فيها علاقة الطفل بالشكل والحرف. فالخطوط الأولى، بما تحمله من عفوية وتنوع، تمثل آثارًا مرئية لحركة اليد على الورق، ثم تتخذ أشكالًا أكثر وضوحًا، وتقترب من الحروف والكلمات. ومع تشكل الحروف، تنفتح أمام الطفل مساحة تتجاور فيها الصورة والعلامة واللغة، ويصبح الحرف أكثر من شكل مكتوب؛ إنه مدخل إلى عالم الكلمات، وما تحمله من صور ومعانٍ وحكايات.
وللخط جمالياته التي تتجلى في امتداد الحروف وانحناءاتها، وفي انتظامها وتآلفها على الصفحة. فالحرف العربي، بما يتميز به من تنوع في أشكاله وإمكاناته التشكيلية، يتيح رؤية تجمع بين الدلالة اللغوية والجمال البصري. وحين تتجاور الحروف لتصوغ كلمة، ثم تتآلف الكلمات في عبارة، تتشكل مساحة يلتقي فيها جمال الخط بجمال اللغة، ويصبح التعبير المكتوب جزءًا من التجربة الجمالية التي يعيشها الطفل مع الكتاب.
أما الرسم، فيمنح الخيال لغة أخرى تتجاوز حدود التعبير اللفظي. فبالألوان والخطوط والأشكال، يستطيع الطفل أن يستحضر مشاهد من حياته، أو يصوغ صورًا لموجودات متخيلة، أو يعيد رسم العالم وفق رؤيته الخاصة. وقد تبدأ الحكاية من دائرة صغيرة تتحول إلى شمس، أو خطوط متعرجة تصنع طريقًا نحو غابة بعيدة، أو ألوان تتجاور لتكشف عن مشهد تتداخل فيه تفاصيل الواقع مع احتمالات الخيال.
ولا يقف الرسم عند حدود محاكاة الأشياء كما تبدو للعين، بل يمتد إلى إعادة تخيلها ومنحها صورًا جديدة. فقد تصبح الشجرة بيتًا لعائلة من الطيور، ويتحول القمر إلى رفيق لحكاية ليلية، وتغدو الألوان وسيلة لاستحضار مشاعر لا تقولها الكلمات مباشرة. وفي هذه المساحة، تتجلى قيمة الرسم بوصفه فنًا بصريًا يتيح تعدد الرؤى، ويمنح الصورة قدرة على التعبير عن عوالم يصعب اختزالها في وصف واحد.
وتتضح العلاقة بين الخط والرسم وأدب الطفل في الكتاب المصور، حيث تتكامل الكلمة والصورة في بناء الحكاية. فالرسم ليس مجرد عنصر يرافق النص، بل قد يضيف إلى الأحداث تفصيلًا جديدًا، أو يكشف عن ملامح شخصية لم تصفها الكلمات، أو يترك مساحة للتأويل تتجاوز المعنى المباشر. وفي المقابل، تمنح اللغة الصورة سياقًا يوسع دلالتها، فتتداخل العناصر البصرية والسردية في تجربة قرائية تتعدد فيها طرائق اكتشاف المعنى.
كما أن اللعب بما يتضمنه من تشكيل وتركيب ورسم يفتح أمام الطفل مساحات للتجريب الفني، تتجاور فيها الأشكال والألوان والخطوط، وتتبدل فيها دلالات الأشياء بحسب موقعها في المشهد المتخيل. وقد تنتقل فكرة من لعبة إلى رسم، ثم تتحول إلى حكاية قصيرة، في تفاعل يكشف عن وحدة الخيال وتنوع وسائله التعبيرية. ومن هنا، لا تبدو الفنون المتصلة بعالم الطفل مجالات منفصلة، بل وجوهًا متعددة للتعبير عن الرؤية والتجربة.
وتظل للأسرة والمدرسة مساحة في إتاحة الأدوات والمواد التي تتيح للطفل الاحتكاك بعالم الخط والرسم والكتب المصورة، غير أن القيمة الثقافية لهذه التجارب تتجاوز مجرد ممارسة النشاط؛ فهي تفتح نوافذ على جماليات الحرف، وتنوع الصور، وثراء الحكايات، وتمنح الفنون حضورًا في تفاصيل الحياة اليومية للطفل.
إن اللعب والخط والرسم تلتقي جميعها في فضاء تتشكل فيه الحكاية من صورة، وتتولد فيه الصورة من خيال، ويجد فيه الحرف طريقه إلى اللغة. وحين تتآلف هذه العناصر، تتسع أمام الطفل مساحات الاكتشاف الجمالي، وتتجاور الكلمة واللون والحركة في عالم يظل مفتوحًا على احتمالات متعددة. هكذا يغدو اللعب مدخلًا إلى فهم الفنون التي تحيط بالطفل، وتغدو الخطوط والألوان أكثر من آثار على الورق؛ إنها بدايات لحكايات قد تجد يومًا طريقها إلى صفحات الأدب.
*كاتب وناقد أدبي