الأكثر مشاهدة

نجود عبد القادر* رسم زهوة قاسم صرخت الطفلة من الفرح وهي تفتح كيسا بلاستيكيا صغير …

الأوراق الملونة

منذ 9 أشهر

25

0

نجود عبد القادر*

رسم زهوة قاسم

صرخت الطفلة من الفرح وهي تفتح كيسا بلاستيكيا صغيرا قائلة: ما أجمل ألوانها، حتى أنها تحوي اللون البنفسجي!
على الطاولة تناثرت أوراق مربعة لامعة ملونة، اشتراها الوالد من المكتبة، لتنفذ بها ابنته مشروعا مدرسيا مهما.

نظرت الأوراق حولها فوجدت أنها في مكان واسع لم تعهده من قبل. كل شيء حولها كان غريبا، الطاولة الخشبية الملساء، الإضاءة المبهرة، وأدوات غريبة حولها: شيء مستقيم له رأس يترك آثارا على الأشياء أسمته الطفلة قلم، ومتوازي مستطيلات صغير من مادة لدنة نادته الطفلة ممحاة، وشيء آخر بارد قاسي، له عينان فارغتان، وفم مكون من فكين أملسين حادين، كانت تحتفظ به الطفلة بعيدا عن باقي الأغراض، مستلقيا بهدوء، ناظرا بعينيه الفارغتين الى الفضاء دون مبالاة.

كانت الورقة البنفسجية أول من رأى النور، وبالطبع سمعت ماقالته الطفلة عنها فشعرت بالتميز، وقالت في نفسها: يبدو أنني سأحظى بمكانة كبيرة في هذا المكان. وانعكس هذا على تصرفاتها، فصارت تعامل باقي الأوراق بتعالٍ.

قالت الورقة الحمراء: ألا تشعرين بالخوف؟ كنّا معا في غلافنا الأمين، والآن تناثرنا كل واحدة في مكان، ألا تشعرين أن هناك خطر محدق يقترب منا؟
ردت البنفسجية: بل أرى عالما جميلا يدعوني لاكتشافه!
قالت البيضاء: معك حق، كان المكان ضيقا ونتكدس معا في غلاف واحد، وليس لدينا أي حرية في الحركة. أما الآن، فانظري إلى الدنيا كم هي واسعة.

قالت السوداء: ألا ترين كيف تُحرِّكنا الريح القادمة من النافذة؟ إنها تبدو لطيفة الآن، ولكنها في وقت ما ستتحول إلى عاصفة قوية، تشتت شملنا وتمزقنا كل ممزق.

أما الصفراء -التي كانت تتقافز مع نسمات الهواء- فقالت: كلا، كلا، لن يصيبنا شيء سيّء، سنكتشف هذا العالم ونجعله بألواننا أجمل.

قالت الورقة الخضراء: لا تخفن، ستصنع منا الطفلة شيئا جميلا، وتحولنا إلى عمل فني يعلق على الجدران. كل ما علينا فعله هو الصبر وإلهام الطفلة.

قالت الزرقاء: أيتها الأوراق الصقيلة، استمعن إليّ، لتحاول كل واحدة منكن أن تلهم الطفلة أجمل ما يمكنها أن تكونه من أشياء، ولنحاول أن نفكر في شيء يجمعنا كلنا، حتى لا نتفرق عن بَعضِنا ونظل أخوات معا إلى الأبد.

فرقت الطفلة الأوراق على الطاولة، ونظرت إليها ملياً. سمعتها الأوراق تقول في حيرة: ماذا أصنع بك أيتها الأوراق الجميلة؟ ماذا أصنع؟
لحظات؛ وبدا كأن الطفلة استقرت على أمر ما، ثم بدأت العمل.

أعملت الطفلة قلمها في الأوراق، فتألمت الأوراق من سن القلم، لكن القلم المبدع كان يهمس في آذانها كلما آلمها: الصبر يأتي بالفخر.
أما الممحاة فكانت طيبة حنونة تدلكها بلطف، وترحل سريعا وهي تقول: القادم أجمل.

لكن أقسى ما عانته الأوراق جاء على فك ذلك الكائن فارغ العينين الذي دعته الفتاة مقصا!
كان يأخذ من أطراف الأوراق تارة، ومن وسطها تارة بكل برود، لا يسمع أنينا، ولا يهمه ألم. يمشي في عمله على الخطوط المرسومة بكل دقة، تاركا للفتاة تحديد مصير هذه الأوراق.

ساعات طوال مرت والفتاة تعمل في مشروعها، ساعة تغني وأخرى تسكت، مرة تصرخ من الفرح وساعة تصرخ من غدر المقص أو من فشل فكرة في بالها، فتعيد تنفيذها مرة أخرى بعناية، لتعود وتصرخ من البهجة.

وعندما انتهت؛ حملت مشروعها بين يديها بفخر وقالت: رائع! ما أجملك أيتها الأوراق!

لم تكن الأوراق سعيدة أبدا! كانت منهكة من العمل، ومن الألم الذي حل بها. لكن حين سمعت كلام الفتاة؛ نظرت كل ورقة حولها فرأت عجبا.
كانت وردة بنفسجية كبيرة تزين وسط لوحة رائعة، تشع فيها شمس صفراء دافئة، في سماء زرقاء صافية، وينساب في خلفية الصورة جدول أبيض تشعر كأن قطرات الماء ستقفز منه، بينما زينت الأشجار الخضراء المشهد الجميل، وتدلت منها تفاحات حمراء شهية تقول للناظر كلني.

سألت الأوراق: أين الورقة السوداء؟
أجابت من خلفهن أنا هنا وراءكن جميعا أحمل كل المنظر ولَم ينقص مني أي قطعة.

حملت الفتاة عملها الفني إلى أبيها. تعجب الأب من جمال الصورة، واشترى لها إطارا فاخرا وحفظها فيه، وأخذته الصغيرة في الْيَوْم التالي إلى المدرسة، حيث وضع في معرض للأعمال الفنية، وحين تقدمت به الصغيرة للمسابقة المدرسية؛ فازت بالمركز الأول.
كانت الأوراق فخورة بالإنجاز، سعيدة أنها لم تبق حبيسة الكيس البلاستيكي.

 

*كاتبة وأديبة_الأردن

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود