مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

الكاتبة: فاطمة يعقوب خوجة* حين بدأتُ الكتابة للأطفال واليافعين، التحقتُ بعدد من …

دور ورش كتابة أدب الأطفال واليافعين في صناعة الكاتب

منذ 10 ساعات

10

0

الكاتبة: فاطمة يعقوب خوجة*

حين بدأتُ الكتابة للأطفال واليافعين، التحقتُ بعدد من ورش الكتابة، منها المجاني ومنها المدفوع، وقد تفاوتت تجاربي فيها، إذ لم أجد في بعضها الفائدة العملية التي كنت أبحث عنها في تلك المرحلة، فقد انصرف بعضها إلى تاريخ أدب الطفل ومفاهيمه النظرية، وخصص بعض المدربين جانبًا كبيرًا من اللقاء للحديث عن تجاربهم الشخصية، بينما اكتفت ورش أخرى بتكليف المشاركين بالكتابة، ثم بالحكم على النص بأنه جيد أو ضعيف، من غير بيان أسباب الحكم أو تقديم ملاحظات تساعد على تطويره.
ولا أذكر هذه التجارب لأصدر حكمًا عامًا على ورش الكتابة، فقد يجد غيري فائدة فيما لم يلبِّ حاجتي. لكن اتساع تجربتي في الكتابة، ثم انتقالي إلى تدريب الآخرين عليها، ساعدني على تبيّن ملامح الورشة التي يحتاج إليها الهواة والمبتدئون، فالورشة المجدية تجعل النص محور التدريب، وتربط المعرفة النظرية بالممارسة، حتى يفهم المشارك أثر كل عنصر فني في نصه.
وتكتسب الورش المتخصصة في أدب الأطفال واليافعين أهمية خاصة؛ لأن الكاتب لا يبني الحكاية والشخصيات والأحداث فحسب، بل يختار لغته وصوت السرد وطريقة بناء المشاهد بما يناسب عمر قارئه وخبرته، ولا تعني مراعاة العمر تسطيح اللغة أو شرح كل معنى، وإنما تقتضي نصًّا واضحا يحترم وعي القارئ، ويترك له مساحة للفهم والتخيّل.
وفي الورشة العملية، يُخصص كل لقاء لعنصر محدد من عناصر الكتابة، مثل الافتتاحية، أو صوت السرد، أو بناء الزمان والمكان، أو الشخصيات والحبكة. ويطّلع المشاركون قبل اللقاء على المادة النظرية، ثم يناقشون العنصر من خلال نماذج مختارة من كتب الأطفال واليافعين، ومنها أعمال حازت جوائز، ولا تقتصر قراءة هذه النماذج على معرفة مضمونها، بل تتجه إلى تأمل القرارات الفنية فيها: لماذا بدأت القصة من هذا الموضع؟ كيف كُشفت الشخصية؟ وما الذي تركه الكاتب للقارئ أو للصورة؟
بعد المناقشة، يطبق المشارك ما تعلّمه على مخطوطته، ثم يرسل ما كتبه إلى المدرب ليتلقى ملاحظات فردية ومحددة. وتُناقش النصوص بعد ذلك في جلسة جماعية، فيتعلم كل مشارك من الملاحظات الموجهة إلى نصه ومن متابعته نصوص زملائه، ومع توالي اللقاءات، تتطور المخطوطة تدريجيا، ويكتسب الكاتب طريقة عملية لمراجعتها بعد انتهاء الورشة.
ولا يكتب المدرب النص نيابة عن صاحبه، بل يوجهه إلى الأسئلة التي تساعده على رؤيته بوضوح: هل تبدأ القصة من موضعها المناسب؟ هل تلائم وجهة النظر عمر القارئ؟ هل للشخصية دافع واضح؟ هل يتطور الحدث بصورة مقنعة؟ هل تنسجم اللغة مع صوت الشخصية وخبرة القارئ؟ وفي الكتاب المصوّر، هل يترك النص للصورة ما تستطيع التعبير عنه؟
لهذا لا تكتفي الورشة الجيدة بعبارات عامة من قبيل «النص جميل» أو «النص ضعيف»، فإذا بدت شخصية الطفل أو اليافع غير مقنعة، لا يكفي إطلاق الحكم عليها، بل ينبغي البحث في رغبتها ودوافعها وما طرأ عليها من تغيّر، وإذا بدت اللغة صعبة أو سهلة، تُحدّد الكلمات والتراكيب التي لا تنسجم مع صوت الشخصية أو الفئة العمرية، ثم تُناقش البدائل الممكنة، فالملاحظة المفيدة تصف موضع الخلل وأثره، وتترك للكاتب مسؤولية اختيار الحل.
وفي المقابل، لا ينبغي للمدرب أن يفرض ذائقته على المشاركين أو يحصر أدب الأطفال واليافعين في قالب تعليمي واحد. فدوره أن يساعد الكاتب على اكتشاف صوته وصقل اختياراته الفنية.،وتكشف المناقشة الجماعية تعدد القراءات والحلول، ثم يختار الكاتب منها ما يخدم نصه من غير أن يفقد صوته الخاص.

ومن أهم ما يتعلّمه المشارك أن المسودة الأولى ليست النص النهائي، فبعد كتابة النهاية تبدأ المراجعة الحقيقية: يحذف الكاتب ما لا يخدم النص، ويعيد ترتيب المشاهد، ويعمق الشخصيات، ويختبر الحوار والإيقاع، ويراجع ملاءمة المفردات للفئة العمرية، وقد يكتشف أن مشهدا يحبه لا يؤدي وظيفة، أو أن الراوي يشرح للقارئ ما يستطيع فهمه بنفسه، أو أن القصة بدأت قبل بدايتها الفعلية بصفحات.
وتعين الملاحظات الدقيقة الكاتب على الفصل بين شخصه ونصه، وتلقي النقد من غير دفاع متعجل، فالكشف عن خلل في السرد أو عن عنصر لا يلائم الفئة العمرية لا يعني افتقار الكاتب إلى الموهبة، بل يحدد موضعا يمكنه مراجعته وتحسينه.
كما توظف الورشة القراءة لفهم صنعة الكتابة، فيقرأ المشارك الكتاب المصوّر أو القصة أو الرواية ليتأمل بناء البداية وانتقال النص بين مشاهده، وتطور شخصياته، وطريقة كشف المعلومات فيه، ولا تهدف هذه القراءة إلى تقليد النصوص الناجحة، بل إلى فهم أدواتها واختبارها، ثم إعادة تشكيل ما يتعلمه الكاتب داخل تجربته ولغته.
ومهما بلغت جودة الورشة، فإنها لا تصنع كاتبا من دون ممارسة طويلة، تنمو المهارة بالكتابة المنتظمة، والقراءة الواسعة، ومراجعة أثر الاختيارات الفنية في القارئ المقصود، وكلما كتب الإنسان نصوصا أكثر، اختبر أدواته واكتشف مواطن ضعفه، فالورشة لا تختصر الرحلة، لكنها تمنح الكاتب طريقة أوضح للعمل، وتساعده على مواصلة التعلم بعد انتهائها.
ولعل أهم ما تقدمه ورشة كتابة أدب الأطفال واليافعين للكاتب الناشئ أن تعلمه الثقة بالمسودة الناقصة، وتحويل الملاحظات إلى مراجعة عملية، فالنص الجيد لا يولد مكتملا، بل يتشكل بالكتابة والمراجعة والصبر، وهكذا تتحول الفكرة الأولى، خطوة بعد أخرى، إلى عمل فني يحترم الطفل أو اليافع ويحمل بصمة كاتبه.

*كاتبة متخصصة في أدب الطفل واليافعين.
نالت عددًا من الجوائز الأدبية. شاركت في كتابة برامج تعليمية موجّهة للطفل

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود