579
0
624
0
558
0
1270
0
639
0
5
0
8
0
4
0
4
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13805
0
13642
0
12457
0
12246
0
9778
0

الكاتبة: مضاوي دهام القويضي*
يُعد أدب الطفل في المملكة العربية السعودية أحد روافد المشهد الثقافي، ومرآة تعكس ما يشهده المجتمع من تحولات ثقافية واجتماعية. وقد تجاوز هذا الأدب حدود الحكاية التقليدية والموعظة المباشرة، ليتشكل بوصفه فنًا إبداعيًا يجمع بين المتعة والجمال، ويمنح الطفل مساحة لاكتشاف العالم من حوله، والتفاعل مع تجاربه الإنسانية عبر الخيال والسرد والصورة. وتنبع أهميته من قدرته على مخاطبة وجدان الطفل وعقله، مع مراعاة خصائصه العمرية واللغوية، وتقديم محتوى يثري تجربته القرائية.
وتأتي الهوية الإسلامية والعربية في مقدمة المقومات التي يستند إليها أدب الطفل في المملكة؛ إذ يستلهم من القيم الروحية والإنسانية، ومن الموروث العربي والإسلامي، موضوعات وشخصيات ومواقف قادرة على إثراء عالم الطفل. غير أن القيمة الأدبية لهذه الموضوعات تتجلى في طريقة تقديمها فنيًا، حين تنبثق المعاني من سياق الحكاية وتطور أحداثها، بعيدًا عن التلقين المباشر، بما يتيح للطفل التفاعل مع النص واكتشاف دلالاته بنفسه.
ويشكل التراث المحلي بدوره مصدرًا ثريًا للإبداع القصصي، بما يزخر به من تنوع بيئي واجتماعي وثقافي؛ من الصحراء إلى السواحل، ومن تفاصيل الحياة اليومية إلى العادات والحكايات المتوارثة. ويمنح استلهام هذا التراث النصوصَ خصوصيتها، ويقربها من ذاكرة الطفل وبيئته، ويعزز صلته بمكانه وتاريخه، شريطة أن يُعاد تقديمه برؤية إبداعية معاصرة، لا تكتفي باستعادة الماضي، بل تمنحه حياة جديدة في مخيلة القارئ الصغير.
أما اللغة العربية، فهي من أهم أدوات تشكيل التجربة الأدبية للطفل؛ إذ تتطلب الكتابة له لغة سليمة وواضحة، تتناسب مع مرحلته العمرية دون أن تفقد ثراءها وجمالها. فاللغة في أدب الطفل ليست وسيلة لنقل الأحداث فحسب، بل هي عنصر فني يسهم في بناء الشخصيات، وإيقاع السرد، وتشكيل الصور، وإثراء الخيال. من هنا تبرز أهمية الموازنة بين بساطة التعبير وعمق الدلالة، بما يفتح أمام الطفل آفاقًا لغوية وجمالية جديدة.
ولا تكتمل مقومات أدب الطفل دون الاهتمام ببنائه الفني؛ فالخيال، والحبكة المتماسكة، والشخصيات القريبة من عالم الطفل، والحوار الحيوي، والتشويق، جميعها عناصر تمنح النص قدرته على جذب القارئ الصغير واستبقائه في فضاء الحكاية. كما تؤدي الرسوم التوضيحية دورًا مهمًا في النصوص الموجهة للأطفال، إذ تتكامل مع الكلمات في بناء المعنى، وتوسيع دلالات المشهد، وتحفيز الطفل على التأمل والتخيل. وتزداد أهمية هذا التكامل حين تتضافر الصورة واللغة في تقديم تجربة قرائية متوازنة، تحترم خيال الطفل ولا تفرض عليه معنى واحدًا.
إن تطور أدب الطفل في المملكة يرتبط بقدرته على الجمع بين أصالة المنطلقات وتجدد الأساليب، وبين الانتماء إلى الهوية والانفتاح على التجارب الإنسانية المتنوعة. فالأدب الموجّه للطفل لا يستمد قيمته من الرسالة التي يحملها وحدها، بل من جمال الطريقة التي يقدمها بها، ومن قدرته على إثارة الأسئلة، وتوسيع الخيال، وتعميق صلة الطفل باللغة والعالم.
هكذا، يظل أدب الطفل مساحة إبداعية تتشكل فيها ملامح الوعي والذائقة الجمالية، وتتسع من خلالها آفاق المعرفة والتجربة الإنسانية؛ فحين يجد الطفل نصًا أدبيًا يحترم عقله وخياله، لا يكون مجرد متلقٍ لحكاية، بل شريكًا في اكتشاف معانيها وبناء عالمها، وهو ما يمنح أدب الطفل أثره الثقافي والإنساني الممتد.
*كاتبة من سعودية