مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

شمعة جعفري* ما عرفت من الحروف سوى ما ينساب من دعائها، ولا من الكلمات سوى ما حفظه …

المرأة الوطن

منذ ساعتين

7

0

شمعة جعفري*

ما عرفت من الحروف سوى ما ينساب من دعائها، ولا من الكلمات سوى ما حفظه القلب من وصايا الصبر.
لكنها حملت في قلبها مكتبةً أوراقها من الصبر، ورفوفها من الأمل، وأغلفتها من شوقٍ لا ينام.
تشبه عصفورًا، كان يحاول الطيران بجناحٍ كسير؛ تجر خلفها فصولًا من المشقّة، وتفتح في ظلالها نوافذ الضوء رغم كل تعب.
ما كانت يومًا قارئةً متعلّمة.. هي أُمّية تقرأ الحياة بإحساسها، وتفكّ طلاسم الأيام بعينيها الناعستين.
زوجها يعمل في القطاع العسكري، فكانت هي الجبهةالداخلية، والركن الحاني، والظلّ الذي يأوي إليه أبناؤها الستة المتقاربون في السن، المتناثرون في الحاجات، المتعَبون دون جهد، المرضى دائمًا.
لذلك كنا نراها تتلعثم بالنعاس كما يتلعثم الحلم بالتعب؛ تسهر لترضع هذا، وتبدّل ثياب تلك، وتطعم ثالثًا، وتواسي رابعة، ثم تنحني على حقائب المدارس كمن يربط للغد شريطه الأبيض.
 
وإذا مرض أحدهم (وما كان البيت يخلو من الداء) تخرج بخطواتٍ مترددة كأنها تقتفي أثر الشفاء، تسأل وتسهر ثم تعود، وتملأ عينيها بضوءٍ يعكس الرجاء.
لم تتذمّر يومًا، كانت تصنع من الألم خبزًا، وتطعمه لصبرها.

وجّهت أبناءها بحكمةٍ الكبار، وصبٍر ذوي الخبرات، وحملت مسؤوليات تنوء بثقلها الرجال، لكنها كانت مدفوعة رغمًا، كمن يُقاد بنورٍ لا يُرى.
أما الزوج، فكان يجمع المال كما يلتقط عصفور حبة قمح؛ يبني لهم من الطمأنينة عُشًّا، ومن الأملس سقفًا، ويقيم جدارًا يكاد ينهد من السند والدعم. ومضت الأيام ببطءٍ جميل؛ يكبر الصغير، ويبلغ الكبير، وهي لا تزال تراهم بعيون الأمل، تبصر فيهم ضوءًا يلوّح من آخر نفق الحياة المظلمة، وتقول لنفسها:
“مهما تأخّر.. سيأتي الفرج”.
ثم جاء الصباح المختلف الذي يحمل رائحة الوعد؛ عاد الزوج بعد تقاعده العسكري، ومعه الخير كله، كأن التعب قد اعتذر لها بعد طول غياب.
كبر الأبناء، والتحق اثنان بالقطاع الصحي:
أحدهما جرّاح في المخ والأعصاب، والثانية طبيبة أطفال، ودخل اثنان ميدان التعليم ليعلّما كما تعلّمت أمهما من الحياة، رفعت رأسها إلى السماء وقالت: “اللهم لك الحمد”.
وللحظةٍ شعرت بأن صبرها صار ثمرةً حلوة تسر الناظرين، وأن يديها اللتين حملتا الألم طويلًا قد صارتا غصنين من رضا.
ها هي الأم… المرأة التي كانت تُدارِي ضعفها لتقوّيهم، وتخفي وجعها لتطمئنهم، المرأة التي إذا سارت في البيت شعر الجدار بالسكينة.
امرأةٌ بحجم وطنٍ كامل، تملأ البيوت دفئًا، والقلوب دعاء.. وأنا الراوية:
بالأمس خرجتُ بعد صلاة العصر لأتفقد جارتي المريضة، فإذا بي أراها تمشي في الشارع، تحمل حقيبة في يدٍ، وعكازًا في الأخرى، كأنها تسند عمرًا بأكمله على تلك العصا.
تتبعتها بخطواتٍ مترددة حتى دخلت مدرسةً في أطراف القرية. وقفت مذهولةً: ماذا تفعل هنا؟ أهي حارسة؟ عاملة؟
التقيت بإحدى المعلمات خارجة من مكتب المديرة، سلّمت وسألتها: تلك المرأة التي تحمل عكازًا، من تكون؟
ابتسمت المعلمة ابتسامةً دافئة وقالت:
“ما شاء الله… منذ أن تعيّنت لم أرَ مثلها. أمٌّ عظيمة، حكيمة في كلامها، جميلة الُخلق، بشوشة الوجه. إن تكلّمت صمت الجميع لكلامها، وإن سكتت، صمت حضورها”.
كانت لا تقرأ ولا تكتب، فإذا بها اليوم تقرأ وتكتب، وتتفوّق لتصبح الأولى على الفصل…
أتراها كانت تقول:
“فاتني القطار يومًا، لكنني بالسماء لحقت”؟!

*كاتبة من السعودية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود