114
0
768
0
383
0
522
0
851
0
10
0
5
0
6
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13666
0
13514
0
12341
0
12194
0
9661
0

سبأ سالم الشقاع*
في عمق الليل، كانت الرياح تعصف كأنها أشباح غاضبة، تدفع الأغصان الجافة لتتصادم في ظلام دامس.
كان سامر جالساً على ركبتيه خلف صخرة كبيرة، يراقب السماء البعيدة من أعلى قمة ذلك الجبل.
كانت الرياح تتصادم بكل شيء حوله، تدافع بعنف كأنها وحوش شرسة، والأشجار تتمايل وكأنها تصارع الرياح التي تجتاحها، تتمايل الأغصان وكأنها تحاول أن تفلت من قبضتها.
عيناه كانتا تراقبان الأفق البعيد حيث كان يجب عليه إشعال النار، النار التي ستكون الشعلة الأولى التي تنذر القبيلة بهجوم العدو الوشيك. كانت هذه المهمة على عاتقه، وكل ثانية تأخير تعني ضياع الفرصة الأخيرة.
في يده كان يحمل علبة كبريت قديمة، يده ترتجف وهو يفتحها ببطء. أصابعه تتسلل بين الأعواد الخشبية المهترئة، تحاول أن تلتقط عوداً منها، لكن للأسف، لم يتبقَ سوى عود واحد، أما البقية فقد امتنعت عن الاشتعال.
كان قلبه ينبض بشدة، لكنه يركز بشجاعة على المهمة التي بين يديه. أخرج العود الأخير، ضربه على حافة العلبة، وأرسل الشرارة الأولى، فظهر شعاع صغير من النور وسط عمق الليل.
وضع الشعلة بسرعة في حفنة القش التي أعدها، وبدأ ينفخ عليها برفق، يتوسل للنار أن تتنفس بالحياة.
لكن سامراً لم ييأس. اشتعلت النيران، وهو ينفخ عليها بقوة، يصرخ في نفسه أن الوقت ليس في صالحه.
ألسنة اللهب تتصاعد شيئاً فشيئاً، تلتهم الحشائش الجافة حوله، ومع كل لحظة كانت النيران تكبر أكثر فأكثر. كانت ناراً هائلة، تتلألأ في السماء كأنها إشارة حتمية لكل من في القبيلة.
لكن في تلك اللحظة، لم يكن أمامه وقت للراحة. عاد بصره إلى الأفق، ورأى الظلال تقترب. خطوات الجنود تزداد وضوحاً في الظلام، وكان الأعداء على بعد دقائق. سحب سيفه من على ظهره، سيفه الذي كان يعده للاحتياط، لكن الآن أصبح سلاحه الأخير، آخر أمل له في الدفاع عن نفسه وعن القبيلة.
“لن أسمح لهم بالمرور”، همس لنفسه، وأخذ يجهز نفسه لملاقاة الموت. كان قلبه يملأه شعور غريب من القوة التي شعر بها مع بريق السيف في يده. تقدمت مجموعة من الجنود نحوه، وقائدهم يقوده بوجه غارق في الثقة، وكان النصر بين يديه.
قال قائدهم بصوت قاسٍ، يحمل تهديداً شديداً:
“لن تخرج حياً، قبيلتك ستسقط، ولن نرحم أحداً.”
لكن سامراً لم يبدِ عليه الخوف، كانت عيناه تتألقان بالحماسة والإصرار.
اندلعت المعركة، ومعها كانت ضربات السيف تتلاقى مع الهجمات القوية لأعدائه. كل ضربة كانت تسرد قصة مع العزيمة والإصرار. كان يتحرك بسرعة البرق، يبارز، يضرب، وينقض على الجنود الذين حاولوا محاصرته. كان السيف يرقص في يده كأنه امتداد لروحه، مع كل حركة جديدة كان يدفعهم بعيداً، يلاحقهم بلا رحمة. لكنه بدأ يشعر بالإرهاق، والجنود كانوا يزدادون.
ثم، وفي لحظة من التشتت، هجم أحد الجنود عليه من خلفه، وطعنه في ظهره. شعر بالألم يشتعل في جسده كالنار. شعر بطنين في أذنه بسبب الألم، وسقط على ركبتيه، وهو يلتقط أنفاسه بصعوبة، قبل أن ينهار بالكامل على الأرض تحت وطأة النزيف. كان ينزف بغزارة، بينما كان يغرق في دمائه على الأرض.
وكانت عيناه ترى كيف أن النيران خلفه كانت تشتعل أكثر فأكثر. وكان يعرف أن قبيلته قد رأت الشعلة المضيئة في السماء. كان يعلم أن هذه النيران ستكون الفارق في المعركة القادمة، وأنه قد منحهم الوقت اللازم للاستعداد.
وكان آخر شيء تذكره قبل أن يسقط مغشياً عليه، هو أنه قد منح قبيلته الفرصة والنجاة. هذه اللحظة الأخيرة كانت كافية له ليحارب بشجاعة من أجل كل من يحب. كان يعلم أن الأعداء قد وقعوا في فخه، فقد كانوا مشغولين به، مما منح قبيلته وقتاً كافياً.
وفي تلك اللحظات المظلمة، سقط سامر على الأرض، جسده ينزف، لكنه كان قد أنجز مهمته.
كانت النيران تواصل إضاءتها، وكانت قبيلته على بعد خطوات منه لملاقاة العدو، بفضل تلك الشعلة التي أضاءت السماء، وبسبب تلك التضحية التي لم تذهب عبثاً.
*كاتبة من السعودية