الأكثر مشاهدة

فاطمة الشريف نسج لنا المعرض ذاكرة فنان من الجيل الثالث من فناني المملكة العربية …

ثنائية فهد خليف.. تجربة الذات الفنية المبدعة

منذ ساعتين

7

0

فاطمة الشريف

نسج لنا المعرض ذاكرة فنان من الجيل الثالث من فناني المملكة العربية السعودية؛ ذاكرةً بصريةً تألقت بين ألوان تكويناته الباردة والحارة، فتأخذك تارةً إلى جنبات السواحل، وتارةً إلى شموخ الهضاب، وحينًا إلى طهارة الوديان وقداسة الحرات، متنقلةً بالزائر بين روحانيات الحرمين الشريفين، ورموز الحجاز الأصيلة وتراثه الغني، وراصدةً الطبيعة والعمران. هي كذلك إذ تراصّت لوحات الفنان فهد خليف كسجلّ تاريخي بصري جميل، يسحر العيون بتناغم الألوان محدثة ثورةً في الظل والضوء، عبر البياض والسواد، والصفرة والزرقة. معرض تجسدت فيه ذاكرة الحجاز، ورأينا في جنباته ملامح المكان، وتاريخ الوطن، وقيمة الأصالة. 

(شرفات على ضفاف الوجود)

هو اسم المعرض ووصفه في آنٍ واحد مستحضرًا عبر الرموز والألوان والنوافذ سرديةَ تفاصيل وطن، وذاكرةَ فنان، وأصالةَ مكان هكذا يبدو المعرض في الجولة الأولى من الزيارة، ثم تأتي الجولة الثانية عبر حديث الفنان عن تجربته وفلسفة معرضه، إذا يقرأ لنا خليف فلسفة معرضه الثاني والعشرين، الذي ضمّ قرابة ثلاثين لوحة، قائلًا:

“نحن وجود بين وجودين: وجود بين الهوية والوطن والأصالة، ووجود بين الرؤية والأمنية والحلم… وجود بين الثابت، كالمكان، والمتحرك، كالزمن…” صاغ خليف ذاتًا فنية متفردة، تنطلق من وجوده كفنان بين وجودين: ثابتٍ ومتحرك، وقد احتفى في سرديته الفنية بالثوابت التي تشكّل هويته وأصالته، مؤكدًا فرادة أسلوبه ورؤيته الفنية، مع تركيز خاص على الهوية الفنية بوصفها مصدر إلهامه، وصيرورته، واستمراره، وتطوره.

ثم تكتمل الجولة الثالثة بمصافحة ذاته الفنية عبر كل لوحة من لوحاته؛ تلك الذات التي تكشفها الألوان والتكوينات أكثر مما تصفها الكلمات، وتدعوك مجددًا إلى التأمل في عوالم خليف التشكيلية وخلفيته الإبداعية. لطالما أسعدتني رؤية بعض لوحاته منفردة عبر صفحات مواقع التواصل، ولاحظتُ تقاطع ثيماتها وألوانها وتكويناتها في تراكيب نادرة الصياغة. إلا أن حديثه عن فلسفة المعرض أتاح لي تجليًا جديدًا لجدلية الثابت والمتحرك لديه؛ إذ تحولت تلك الثنائية التي تحدّث عنها إلى سردية بصرية عمّقت إدراكي لذاته الفنية، وجعلتني أستمتع بالأسلوب والتكوين والفلسفة.

وكما تكشفت أمامي ذاتٌ مبدعة صاغت ذاتها الفنية في ضوء هذه الجدلية، يتجلى فيها الثابت والمتحرك متناغمين ومتآلفين في بناء رؤيته الفنية. ففي هذا التآلف يتسامى الإحساس الجمالي، ويتناغم اللون والتكوين لمؤانسة الروح؛ وهو تناغم أراه وأشعر به في أعمال معرضه، التي كانت تجربتي الأولى مع فنه على أرض الواقع، فوجدت فيها مبررًا لانجذابي إلى أعماله.

يلهمنا خليف بأن الفن تجربة حسية جمالية تخاطب الوجود وتلامس الروح، وفي ذلك تكمن غاية العمل الفني في ذاته. وقد حررتني لوحاته من هيمنة الفن الأكاديمي بقواعده الصارمة، وطافت بي حول معالم الجمال البصري للبيئة الحجازية وتنوعها الجغرافي، كأنها تروي لنا قصة عناية الفنان بتناغم ألوان البر والبحر، وتسخير التكوين لتعزيز اهتمامه بالضوء والظل والانعكاسات، إلى جانب عنايته بالملمس وتقنيات التراكب والتداخل. فأحيانًا يختفي الحد الفاصل بين العنصر وبيئته المحيطة، وأحيانًا ينشئ الخط المستقيم أو المنحني بيئة جديدة؛ طبقات وتداخلات لونية ترسمها المشاعر قبل أن تراها العين.

باختصار، لقد سخّر خليف مهاراته في تقنيات عالمه اللوني الجميل؛ فترى الزورق والسمكة والطائر والضوء جزءًا من تكوين واحد، وكما ترى في تمثيلات أشجار الأكاسيا والنخيل في معظم لوحات المعرض استحضارًا للبيئة الحجازية، وتصويرًا حاذقًا لتداخل الطبيعة والعمران في نسيج تشكيلي يعزّز الذاكرة البصرية ويترك أثرًا محفورًا فيها. كل ذلك يجعل اللوحة أقرب إلى تناغم بصري أو موسيقي يندرج ضمن مشهد سردي تاريخي يحاكي ذاكرة خليف، ويكشف عمق صلته بالجمال الحجازي الزاهر، في جغرافيا وزمن متآلفين.

ويأخذنا سمبوك خليف إلى ذاكرة تاريخية أخرى على ضفاف البحر الأحمر؛ إذ توقفتُ ذات يوم في متحف البحر الأحمر بجدة أمام رسومات الفنان الفرنسي شارل دومينيك فوكيري (Charles Dominique Fouqueray، 1869–1956)، الذي عُرف برصد مشاهده البحرية، ومن بينها عمله «تجّار على متن سمبوك في البحر الأحمر» (Merchants Aboard a Sambuk in the Red Sea، 1921). هنا يصبح سمبوك خليف أكثر من عنصر تشكيلي؛ فهو استدعاء للمكان، واستحضار لسردية فوكيري التاريخية، وتقديم لسردية جديدة نرى معها أسماكًا وأوانيَ فخاريةً وأطباقَ فاكهة عبر رواشين جدة القديمة.

وبين سمبوك فوكيري الواقعي وسمبوك خليف الرمزي، تمتد ذاكرة البحر الأحمر فضاءً بصريًّا حاضرًا في ذاكرة المعرض وزوّاره؛ تتجلى فيه الرؤية بين الوجود والمكان والزمن، بينما يبقى البحر وجنوده شواهدَ على حكايات الفن التشكيلي. وتغدو رموز خليف المحلية، كالسمبوك والرواشين والنخيل والأسماك، مفرداتٍ بصرية تفتح الفن الحجازي على حوار أوسع مع التجارب الفنية العالمية، بما تحمله من دلالات إنسانية مشتركة.

تُعدّ تجربة خليف عزيزة على كل ذات ترى في الفن جمالًا وتعبيرًا وهوية ومكانًا. إنها تجربة خلاقة جديرة بالاقتداء، تعلّمنا أن اللوحة الخالدة تولد مرارًا وتكرارًا بحب وثقة بالقدرات والطاقات التي تنبثق من ذائقة فنية آمنت بقدراتها ومهاراتها، فتصنع ألوانًا ورموزًا وجماليات ضمن سردية الفن السعودي الشامخ بهويته وروحه. من هنا، تبدو تجربة خليف، بالنسبة إليّ، إسهامًا مهمًّا في بناء سردية تشكيلية سعودية تستمد فرادتها من التاريخ الحجازي وخصوصية المكان، وتنفتح في الوقت نفسه على حوار أوسع مع الفن العالمي. 

فشكرًا للفنان على حديثه وإفصاحه السخي عن فلسفة المعرض، وعلى استقباله الجواد وترحابه البهيج، وعلى سماحه لي بالتقاط صور لمعرضه؛ صور بقيت ذكراها تغمرنا أُنسًا وطربًا إلى لحظة كتابة المقال وقراءته بعد نشره، لتظل صفحةً منيرة في سجل أيام الفن الجميلة.

مصادر المقال

1- معرض وحوار مع الفنان في السادس من أكتوبر 2026

2- A collection of illustrations From Escales d’Asie, Claude Farrère (Paris: Laborey, 1947)

Gouache. Charles Dominique Fouqueray (1869-1956, France)

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود