6
0
9
0
4
0
5
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13805
0
13642
0
12457
0
12246
0
9778
0

أبو بكر بن مخاشن*
في زحام الحياة وصخبها، تتكشف أمام أعيننا مشاهد تحمل في طياتها دروساً تختصر فلسفة الوجود كاملة. رأيتُ بأم عيني مشهدين متجاورين، كأنهما لوحتان معلقتان في معرض القدر، ترويان حكاية الإنسان بين المادة والمعنى.
في الجانب الأول، أسرة بكاملها على دراجة نارية، الأب يمسك المقود وابتسامته تسبق الطريق، والأم تحتضن طفلها الصغير، والهواء يعبث بشعرهم كما يعبث الفرح بقلوبهم. لا يملكون سوى لحظتهم، لكنهم يملكون الدنيا بأسرها. وفي الجانب الآخر، سيارة فاخرة من طراز “بي إم دبليو”، تجلس فيها أسرة متفرقة القلوب قبل المقاعد، كلٌّ منهمك في هاتفه، والزوجان يفصل بينهما جدار من الصمت أسمك من أي جدار، والأطفال يحدقون في الفراغ بعيون خالية من بريق الطفولة. يملكون كل شيء، إلا بعضهم.
هنا أدركتُ أن السعادة ليست رقماً في حساب مصرفي، ولا شعاراً لامعاً على واجهة سيارة. السعادة كائن رقيق يسكن القلوب لا الجيوب، يتغذى على القناعة والتفاهم والألفة، ويهرب من البيوت التي يسكنها المال وحده.
كنتُ أظن، كغيري، أن المال هو مفتاح الحياة كلها. لكنني رأيتُ في أروقة المستشفيات من يملكون الثروات الطائلة، تقف أموالهم عاجزة أمام خلية سرطانية أو قلب متعب، كجيشٍ جرّار لا يستطيع اختراق حصن المرض. هناك أدركتُ أن الصحة تاجٌ لا يُشترى، وأن العافية كنزٌ لا تُقدّر بثمن.
والأعجب من ذلك، أنني رأيتُ أسراً فقيرة، تجمعها المحبة كما تجمع الخيوط نسيجاً واحداً، يتقاسمون الرغيف البسيط وكأنه وليمة الملوك. وأسراً غنية، تفرّقها التجارة والأسفار والمشاغل، حتى صار الأطفال فيها كالنباتات التي تُسقى بالماء المالح، تنمو أجسادهم ويذبل قلوبهم.
ماذا ذنب ذلك الطفل الذي لم يتجاوز الثامنة، ليعيش تعاسة الكبار؟ ماذا رأى في هذه الحياة حتى يعرف الحزن قبل أن يعرف معنى الفرح؟ لماذا نتعامل مع أطفالنا وكأنهم ضيوف ثقال على موائدنا، نرمي لهم فتات أوقاتنا، ونعهد بهم إلى العاملات في بيوتنا، وكأن الحنان وظيفة تُشترى بالراتب؟
أيها الناس، العمر ليس طويلاً، وأيامنا تُطوى كما تُطوى الصفحات. فغيّروا روتين حياتكم، لا لأجلكم بل لأجل من تحبون. أعطوا أسركم حنانكم لا أموالكم، فالحنان لا يُعوَّض، والوقت لا يعود. اجلبوا لهم السعادة الحقيقية، لا تلك المزيفة التي تُشترى بالمال وتُباع في الأسواق.
نعم، المال أساسي في حياتنا، لا نُنكر ذلك، فهو وسيلة للعيش الكريم. لكننا لا نُحوّله إلى حاجز بيننا وبين أسرنا، ولا نجعله يقتل مشاعرنا وحبنا وحنيتنا تجاه أطفالنا. المال وسيلة، وليس غاية. والصحة والعافية والعلم والقناعة، إذا امتلكتها، فأنت إنسان سعيد حقاً.
فيا من تلهثون خلف الثروات، توقفوا لحظة، انظروا إلى وجوه أطفالكم، ضعوا أيديكم على أكتافهم، اسألوهم كيف حالهم، استمعوا إليهم كما تستمعون إلى شركائكم في التجارة. هناك، في تلك اللحظة البسيطة، ستكتشفون أن السعادة كانت قريبة منكم طوال الوقت، لكنكم كنتم تبحثون عنها في المكان الخطأ.
إن السعادة لا تسكن قصوراً، ولا تركض خلف سيارات فاخرة، إنها تسكن قلباً يفيض بالحب، وبيتاً يعمره التفاهم، وأسرةً تجمعها الألفة. تلك هي البساطة، وذلك هو الغنى الحقيقي.
*كاتب يمني