مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

تحدّث الدكتور غصاب منصور الصقر في كتابه: (الأبعاد التداولية للعلامات السيميائية …

إشارات سيميائية

منذ 3 سنوات

338

0

تحدّث الدكتور غصاب منصور الصقر في كتابه: (الأبعاد التداولية للعلامات السيميائية اللسانية) عن العلامات الإشارية الجسمية، وذكر أنها تغني عن الكثير من الكلام، أي: تخدم اللغة؛ لأن وقعها أبلغ من الصوت، كما ذكر تعريفات لكل من جيرارد نيرنبرج وهنري كاليرو منها، أنها: لغة غير مكتوبة، يتم التواصل بها بدون كلام، بوساطة الإشارات والإيماءات والحركات الصادرة عن الجسم.

ويرى محمد بني يونس أن إشارات الجسم هي: إشارات جسمية، ترسل رسالات محدودة في موقف وظروف مختلفة، تُظهِر لك المشاعر الدفينة، وتُخرِجها للسطح، فتصل من خلالها معلومات أو أفكار عن الشخص الآخر، بحيث لا يستطيع إخفاء الأفكار التي تدور في ذهنه.

أما عبد الله عودة في الاتصال الصامت فذكر أنها حوار نفسي، يجري بين الأطراف المعنية والمعاني المتنقلة بينهم، لا من خلال النطق بل من خلال الصمت والملامح العامة للإنسان الصامت، مثل: نظرات العيون، وتغيرات الوجه، وحركات الجسم.

وعرَّفها الدكتور غصاب بقوله: يمكننا تعريف العلامات الإشارية الجسمية بأنها: لغة غير لسانية، من نحو إشارات العيون أو الوجه أو اليد، تحمل دلالاتٍ ورموزًا تصدر من جسم الإنسان، يلجأ إليها المتواصلين للتواصل مع الآخرين، للتعبير عن المعاني المخزّنة في نفوسهم، والتأثير فيهم بطريقة إيجابية أو سلبية.

وقد اهتمَّ القدماء بالعلامات الإشارية الجسمية وعلى رأسهم الجاحظ، وعدّها نوعًا من أنواع البيان، وهي أبلغ عنده من الصوت، كما قال في البيان والتبيين: (هذا ومبلغ الإشارة أبعد من مبلغ الصوت، فهذا أيضًا باب تتقدّم فيه الإشارة على الصوت)، وضرب مثلاً بقول الشاعر:

إشارة مذعورٍ ولم تتكلّمِ

أشارت بطرف العين خفية أهلها

وأهلًا وسهلًا بالحبيب المتيّمِ

فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا

يبرهن الجاحظ على سبق العلامة الإشارية الجسمية للكلام، وفي ذلك بيان لموقف العشّاق، وما تلعبه العين من دورٍ كبير في إيصال سهامها للقلب، ومن ذلك قول الحسين بن مطير:

في يوم عيدٍ ويوم العيد مخروج

ما أنس لا أنس منكم نظرة سلفت

سيميائية الجسم لغة قائمة بذاتها، تعطي إشارات وعلامات تواصلية لها تأويلات متعددة من خلال النظرات المتبادلة، ولا يستطيع ترجمتها إلا العشاق، فهي تحمل رسائل مشفرة لا يدركها إلا هم.

كما أن حركة الجسم ترسل إشارات وعلامات قد توقع الإنسان في فخ الحب والغرام؛ لأسباب، منها: إثارة الإعجاب وتحريك المشاعر، كقول الحسين بن مطير:

عذاب ثناياها عجاف قيودها

بمرتجة الأرداف هيف خصورها

وأشار ابن رشيق لحديث النبيصلى الله عليه وسلمعندما (شبّك بين أصابعه)، وأن مبلغ الإشارة أبلغ من الصوت؛ لدلالتها على الاختلاط والاختلاف.

واستشهد الآمدي على الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: ((بُعثت أنا والساعة كهاتين))، لتدل على ما بينه وبين الساعة من قرب، وذلك بمقدار زيادة الوسطى على السبابة، فهي أشد وقعًا في الأذهان من الكلام في إشارة قوية لقرب مبعثه من الساعة.

ما سبق يدلنا على أن السيميائية العلاماتية الإشارية الجسمية ظهرت عند القدماء، ولكن بأساليب مختلفة ومتعددة، فكل ابتسامة إشارة وعلامة لها دلالة ومعنى، وكذلك النظرة أو حركة اليد تحمل رسائل خفيّة لها معانٍ متعددة، وهناك الكثير من الأمثلة في أدبنا القديم والحديث ولكن نكتفي بهذا القدر.

*كاتب من السعودية

تويتر : D_saloom11@

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود