مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

أ. عادل النعمي* الساعة السابعة عصراً، يوم مجهد بسبب عملين متتاليين، استقل الباص، …

رحلة الحافلة

منذ 4 سنوات

399

0

أ. عادل النعمي*

الساعة السابعة عصراً، يوم مجهد بسبب عملين متتاليين، استقل الباص، وأنا أحمل بحذر حقيبة بالية محاولاً عدم لفت الانتباه لما بداخلها، وألقي بها بين قدمي!

يصعد شاب قصة شعره (لا تشبه ملابسه الرسمية) يتضح لي أنه شاب جامعي حين يغمس كفه في حقيبته المليئة بالكتب، ثم يخرج كتابًا ينظر إليه بشغف.

أنظر إليه بسخرية، بل إلى نفسي فأنا كنت مثله تبًا أتمنى لو كنت أملك الشجاعة لأحيا حياة حقيقية لنفسي مختلفأشبه نفسي، وليست التي توقعها الآخرون لي!

يتوقف الباص من جديد، ويصعد شابين ولا يكادا أن يجلسا حتى يقول أحدهم لصديقه:

ـ وماذا صنعت؟

ـ لم أصنع شيء!

ـ لماذا؟ يقولها بغضب!

يهز رأسه في صمت وكأنه لا يعرف الجواب فيجب صديقه عنه:

ـ ليس لديك الشجاعة أن تعبر عن مشاعرك، وأنت تقمعها لتحافظ على تواصلك معها يا أحمق إذا لم تبادر أنت بارد غيرك واختطفها، ثم تزوجت أنت في النهاية امرأة لا تحبها، وتعيش تعيسًا إلى الأبد.

ينظر فيه بغضب.

يهز رأسه ويستأنف:

اغضب من نفسك ولا تغضب عليالصديق دائمًا ما يقول الكلام المر، لأنه يحبك.

ابتسم من وضوح كلام الشاب، كأنه يخاطبني فقد قمعت مشاعري كثيرًا واستسلمت للحياة الاعتيادية، ولم أصحب يومًا ما أردت أن أكون عليه، غدًا سأستعمل نفس طريقة هذا الشاب، وأنفس عن غضبي تجاه الآخرين بسلامة صدر حتىالكراهية التي تراكمت في قلبي وسببت لي الأمراض.

أعود وأتأمل صديق ذلك الشاب واتذكر صديقًا لي يشبه جدًا،  فأعض على شفتي من الندم، فأنا فرطت فيه وفي كل أصدقائي القدامى، لم أعطهم الوقت الكافي.

قد استبدلتهم بغيرهم لأني ارتقيت في العمل وصنعت لنفسي أصدقائي من مستواي الطبقي. كان اجتماعي معهم هو لغرض الطعام، وإطلاق الضحكات المرتفعة التي أشغل بها نفسي عن ضجيج الهموم داخلي، وفي النهاية لم أصبح ذاتي، لأني كنت أريد أن اعجبهم في كل مرة!

يتوقف الباص من جديد ويصعد رجل في الأربعين من عمره، ثم تتبعه امرأة، يجلس الرجل بقربي، وتجلس المرأة في أول الباص، أنا متوجس جدًا من الرجل الذي بجانب أريد حمل الحقيبة، ولكن لا أريد لفت الانتباه لأهميتها، وبينما أنا سابح في هواجسي ترفع المرأة صوتها بالبكاء، ثم تتمالك نفسها، فيسكت كل من في الباص أتأمل خاتم الذي في يدها ثم ألوم زوجها.

يلتفت الرجل الأربعيني الذي بجانبي ويقول:

ـ  أتمنى أن أستطيع أن أعبر عن مشاعري مثلها.

أرد باقتضاب: كلنا نتمنى أن نترك أنفسنا لنحيا.

يهز رأسه مؤكدًا: أن تحيا الحياة فينا.

أسرح في أمر آخر ويصبني ألم شديد: فأنا أتمنى لو لم أعمل بهذا الجهد، فهذه المرأة تشبه زوجتي جدًا التي انشغلت عنها بالعمل، ولم أحبها بالشكل الكافي، حتى أني لم أشهد مراحل طفولة أولادي.

انشغل عن ذلك الرجل الأربعيني ـ بتأملاتي ـ يقاطع صمتي ويعتذر بأنه أثقل علي، ابتسم واهمس داخل نفسي بسخرية ربما دروس الحياة تتلخص في رحلة باص.

يتوقف الباص من جديد فالتفت ناحية الطريق فأجد نفسي في ذات المحطة التي صعدت إليها تبًا ما هذه السخرية.

أريد الوقوف ولكن شيئًا ما يكبلني، من المؤكد أن أحدهم خدرني ليسرقني أصرخ في قائد الباص، فينظر إلي من بعدي ويقول:

ـ انتهت الرحلة فرجاء انزل من الحافلة.

أعود وأنظر في الوجوه، وأتفاجأ كل الوجوه أنا، والمرأة زوجتي وهناك صديقي الذين قد توفيا ماذا يحصل، أنحني إلىالأسفل وأريد أمساك حقيبتي فلا أستطيع، أعود وأرفع رأسي فاسمعهم بصوت واحد فيقولون:

ـ قد آن آوان الرحيل.

أشعر ببرد في صدري فأقف وأسير معهم وفي القلب حاجات.

*قاص وروائي من السعودية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود