الأكثر مشاهدة

توفيق بوشري*   قالت السيدة: – يا أسيادي إن زوجي قد مات. العهدة عليها، …

التعويذة

منذ أسبوعين

229

0

توفيق بوشري*

 

قالت السيدة:

– يا أسيادي إن زوجي قد مات.

العهدة عليها، لكن الراوي كان يعرف الكثير ابن الحكاية. لسبب ما، لم يقل شيئًا في البداية. تركها تحكي وتبكي، كانت زوجة الراعي تنتحب وتلطم، تردد لأزمة نساء القبيلة كلما رحل رجل حتى لو كان مجرد ذكر:

ومشيتي ولمن خليتيني! 

ذكرت مناقبه وفضائله، الراوي صمت مستغربًا، يبدو أنه غير متفق، كأن لسان حاله يعترض:

– هل مات هو هو؟ الراعي زوج هذه المخبولة المتشحة بالسواد؟

لنفحص المسألة:

– من الراعي؟

يحكى مرة أخرى داخل الحكاية أنه جاء من مكان مجهول ليستوطن هذه القبيلة البعيدة، قال بأن أرضه تعرضت لغزو من أعداء في الشرق، لم يتركوا أحدًا، أحرقوا ودمروا وسبَوْا، فر بصعوبة من بين أيديهم بفضل قراءة تعويذة علّمه إياها والده، الذي قتلوه ليلة الغزو بتعليقه أعلى عمود تم نصبه وسط القبيلة.

يقول أحد الذين شهد على دخوله إلى القبيلة الجديدة بأنه ولجها مثل شبح لا تبدو منه سوى أشلاء ملطخة بالدماء، حتى حسبوه قادمًا من أرض طاعون أو لعنة، فأكل إثرها ما أكله طبل في عرس ابنة حاكم ليزداد بؤسًا على بؤسه، ازداد كسرًا في قدمه اليمنى مع أنها يمنى، لا يدري أحد لماذا لم تنفعه تعويذته كما نفعته في هروبه.

فيم بعد اعتذروا منه وخصصوا له استقبالًا خاصًّا في الصباح، صبوا على رأسه حليب ماعز وملأوا فمه بالتين اليابس “الشريحة”، يقال أرضهم لا ينبت فيها نخل. لكن رجلًا طاعنا في السن يقول بأن التين رمز القبيلة منذ أن قدم أحدهم حاملًا مصحفًا يرتل: “والتين والزيتون” مهللا:

– بشرى لكم أهل التين المجفف.

وفعلًا، فقد كان يعود عليهم بمنافع كبيرة من بيعه للبلدات المجاورة. صاحبنا الميت كأنه نسي ما تعرض له مما ادعاه وما حصل معه في قبيلته الجديدة. تم تكليفه برعي الغنم، خاصة بعد أن عرف الجميع بأنه لا يعرف القراءة ولا الكتابة رغم حفظه لتلك التعويذة المريبة، لم يفلح يومًا في إطلاعهم عليها، قال بأن ما حدث في الماضي جعله ينسى كل شيء، اعترف على حد قوله بأنه ولد لتوه هنا في أرض “الكرموص“، أضاف أحد شبان الدوار: المجفف من فضلك.

ضحك الجميع وأمروا الراعي الجديد ببدء العمل بعد أن أطلعوه على عدد الماشية التي لم تكن سوى بضعة أغنام هزيلة. كان يقضي اليوم بطوله إلى غروب الشمس بين نومة ذئب تحت شجرة يتيمة، وبين الركض خلفها لإعادتها إلى تجمعها بالقرب من مرتع القبيلة الجاف إلا من نباتات شبه ميتة، منذ مدة لم ينزل مطر، يعيشون على سقي خضراوات معيشية وأيضًا ري أشجار التين حفاظًا على مصدر رزقهم الوحيد.

تلك العين الوحيدة التي بغرابة تستمر في منح الحياة لهؤلاء المساكين، حتى يجهلون كيف يكون ذلك، كل ما يعرفه الجميع أنها لا تنفك تسيل من تحت جبل التين، لم يبق إلا تسمية الأولاد بمرادفات هذا التين، مع أن جوهر التين وبقاء هؤلاء الحمقى على قيد معيشة هو هذه العين، عين الرحمة.

أحد الفقهاء الذين يدين الدوار لهم بالفضل ويقبل الجميع كلتا يديه لمجرد أنه فقيه، وربما لا أحد يعرف ما يعنيه ذلك، يقول في كل مرة يلتف الناس احتفالًا أو تناولًا المسألة مهمة وسط القبيلة بأن تلك العين هبة من سيدي فلان، سبق أن سأله أحدهم عمّن يكون فلان هذا؟ فنهره الفقيه بشدة:

– اسمه فلان، أنا لا أمزح. ووالله إن سأل آخر مثل هذا السؤال ليتحولن والعياذ بالله إلى صخرة، تعلمون أن القلوب الكافرة حجارة، ولو كان منها ما يتشقق من خشية الله.

ضحك الراوي تاركًا للفقيه الخيط..

استمر الفقيه يحكي في كل مرة:

– سيدي فلان عاش وحيدًا هنا يتدبر ويحيا على أي شيء يسد رمقه، ولما اشتد القحط دعا، ولم يمر إلا وقت يسير حتى انفجرت في الجبل هذه الهبة، وقال سيدي فلان بأن صوتًا من السماء همس: “هذه هبتك يا ولي الله فلان لقبيلة ستولد هنا مباركة بالتين والعين”. 

تشرع النساء في الزغاريد والرجال في التهليل والتسبيح، على الدوام يصنعون ذلك. انضم إليهم الراعي، ونظرًا لإيمانه وانسجامه وحرصه على المواشي -حتى أن البعض تفحص الغنيمات وصرح بأن البركة ظهرت حقًّا عليها بقدوم هذا الراعي صاحب التعويذة المجهولة- زوجوه من الكئيبة التي خرجت تولول وتعلن عن موته.

هل مات؟ لماذا يصمت الراوي إلى هذه اللحظة، اللهم ضحكته المستهزئة؟! هرعت إليها النسوة، انخرطن في الصياح والندب وعد الخصال بكاء وصراخًا. ثم التحق الرجال يكبرون حزانى، الأطفال يتراكضون غير مدركين معنى ما حصل، إلا ابن شيخ القبيلة كان يردد:

– لقد ذهب إلى السماء، سيدفنونه في مقبرة القرية، بينما روحه ستسري إلى الأعلى هناك.

تابعه الصغار يحدقون في السماء، رأوا جميعًا كيف أن شهابًا اخترق الظلام بعيدًا جدًّا، لا بد أنه الراعي يسرع إلى الجنة، سيلتقي بالولي فلان وسيحكي له حكاية عين الرحمة التي تتفجر من مؤخرة جبل التين. تدخل الفقيه:

– النساء إلى داخل البيت، الرجال رضي الله عنكم إكرام الميت دفنه.

حالما سمعت الكئيبة زوجة الميت كلام الفقيه، تدخلت وهي تجهش وتصهل:

– لقد أوصى المبارك بأن أكفنه بيدي سيدي، فلا تخالفوا وصية الغريب، لئلا يصيبنا خطب من بعده.

لم يترك الحشد للفقيه خيارًا:

– نعم، نعم، ننفذ وصيته، إنه الغريب المبارك. منذ مجيئه والشياه فرحانة، حتى العين ازدادت صبيبًا… حملوه على أكتافهم أو رفعوا المكفن دون أن يروا منه شيئًا وواروه بالثرى، عادوا كل منهم يحكي قصة له معه، طبعًا القصص الجميلة، الموتى لا تليق بهم الحقيقة، يكفيهم الموت، كما أن الأحياء لا يبقى أمامهم ما يدعو إلى الشر.

في الصباح كان الراوي خلف الراعي وزوجته وقد ابتعدا في اتجاه الشرق حيث الأعداء، يقودان أمامهما غنيمات القبيلة، يحسبانها بلذة ويفكران ماذا سيفعلان في الشرق؟ هل يستقران وينميان مشروعهما أم يخططان لغنيمة قادمة ويواصلان الرحلة حيث الأعداء الذين قتلوا الجميع وأحرقوا كل شيء، كما زعم الراعي الذي سأل زوجته الكئيبة:

– هل صدقت الحكاية أنت أيضًا؟

قهقهت الخائنة الظريفة:

ماذا عن التعويذة؟! 

* كاتب من المغرب

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود