مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

إعداد ـ هدى الشهري عاتكة الخزرجي واحدة من أبرز شاعرات العراق في العصر الحديث، فق …

عاتكة الخزرجي.. قيثارة العراق

منذ 12 شهر

724

0

إعداد ـ هدى الشهري

عاتكة الخزرجي واحدة من أبرز شاعرات العراق في العصر الحديث، فقد ضم شعرها بين دفتيه روح بغداد وعشقها وصوفيتها وشوقها للماضي وصبابتها للحاضر، مع أنها استزادت من ثقافات مختلفة في دار المعلمين في بغداد ومن سفرها خارج البلاد.

نشأت في بيت مليء بالدفء والحنان العائلي، أدخلتها والدتها المدرسة في حداثة سنها فاستمرت في دراستها، وأثناء ذلك برزت موهبتها العالية في الشعر العربي.

بدأت الخزرجي كتابة الشعرفي سن مبكرة، والتحقت بجامعة السوربون، ومنها حصلت على الدكتوراه في الأدب العربي.

بعد عودتها إلى بلدها عملت في قسم اللغة العربية بدار المعلمين العالية، ثم أستاذة للأدب العربي الحديث في كلية التربية بجامعة بغداد.

وعلى الرغم من سعة ثقافتها الأجنبية، لكنها حصرت منابع وحيها في الأدب العربي القديم، كما حافظت على الشكل، والتزمت بالوزن والقافية، بعيدًا عن التجديد الشكلي، فقد تأثرت كثيرًا بالعباس بن الأحنف والمتنبي.

وكثيرًا ما يلاحظ في شعرها قوة المعنى وترابط الأبيات، ويظهر ذلك في قصيدتها “حيرة” التي تقول فيها:

 إِنِّـي لَيُـفْــزِعُـنِي الـفِــرَاقُ 
وَأَتَّـقِــي فِـي الـحُـبِّ شَـرَّه
وَأَعُوذُ مِنْ صَرْفِ الزَّمَانِ 
 وَلَسْـتُ آَمَـنُ مِنْـهُ مَكْــرَه 
كَـيْـفَ السَّبِيـلُ وَبَـيْـنَـنَـا 
قَـدْرٌ يَهَـابُ القَـلْبُ أَمْــرَه 
وَمَتَى نَعُودُ.. مَتَى أَرَاكَ 
وَنَـلْتَـقِـي فِـي اللهِ مَــرَّة 

وعن حبها لبغداد التي اضطرتها الظروف لمغادرتها، قالت:

بغـداد إن أزف الـوداع وصـاح بي

داعـي الــرحـيـل مـنـاديًـا بـنــواكِ

وشددت من فوق الحشا واستعبرت

عــيـنـان لـم تــدر الــبـكـا لـــولاكِ

لـهـواك زادي بـل لـقـاك تـعـلّــتـي

والعـيـش أن أحـيـا عـلى ذكـــراكِ

كانت عاتكة موضع حفاوة وتقدير كبير من عدد من النقاد، ومن ذلك قول د. سيار الجميل، عن ذكرياته معها في كتابه (نسوة ورجال) “إنها الحالمة عند الغسق الرائع عندما تصفو الحياة من وعثائها، وهي صاحبة الصوت الرخيم في غناء الشعر وتموسقه بهدوء ورقة”.

ووصفها أحد طلبتها د. نجاح كبة بقوله “أهم سماتها احترام العلم والصرامة في تقديس الدرس الأدبي.

وعنها قال د. صفاء خلوصي “شعرها قويّ رصين التزمت فيه الطريقة العمودية الأصيلة وغلب عليه الحزن والتفجّع والألم، ونزعت إلى التصوّف، فنظمت في الزهد والعشق الإلهي قصائد من عيون الشعر”.

ويقول علي الفواز “من الخطأ أن نقرأ الحاضر بعيون الماضي؛ لأن آراء ذلك الزمن جاءت وفق نسق ثقافي كان سائدًا آنذاك، حافظت على القصيدة باعتبارها قصيدة خيالية، حافظت على وضوحها وتركيبتها”.

ويستدرك “لذا من الظلم بحقها أن نقول اليوم ما لا يتفق زمانها؛ لأنه كان جزءًا من النسق الثقافي آنذاك”.

وعنها أيضًا تقول الشاعرة آمنة عبد العزيز “كان صوت الخزرجي رخيمًا في غناء الشعر وكانت تموسقه بكل هدوء ورقة، حتى تحيل المكان إلى بستان وافر الظلال تشدو به البلابل والطيور، وراحت تسمّي نفسها “ابنة الآلام والشعر والحب”.

أصدرت عاتكة عددًا من  الدواوين الشعرية ومنها “أنفاس السَّحَر”، “أفواف الزهر”، و”من القلب إلى القلب” وفيه معان إنسانية خصبة تزخر بها رقة الشاعرة وشفافيتها.

كما تميز شعرها بالطابع القصصي مع نغمة وموسيقى رائعة، ومما كتبته مسرحية “علية بنت المهدي” الأميرة الشاعرة والموسيقارة المغنية.

ومن كتبها في الأدب العربي: “من روائع الشعر العربي”، “من روائع الشعر الفرنسي”، “في أجواء الأثير” وكتاب “نسيب الشريف الرضي” وغير ذلك من المحاضرات والأعمال. 

تخرج على يديها عدد كبير من المثقفين والأدباء، كما كانت تهتم بموسيقى الشعرورقته وترعى كل من تتلمس لديه موهبة الشعر، وتشدد عليه حتى يصفو شاربه.

تعددت الأغراض الشعرية عند عاتكة، وأبدعت فيها كعادتها، متبعة النهج القديم بشيء من التجديد، ومن ذلك قولها في الوصف:

رأيـت حيـاة المـرء بـؤسًـا فإنـهــا

لــبــيــن كــفـــاح دائــم وســـقــامِ

فنصف حيـاة المرء نوم وهل ترى

معـيشـتنـا فـي الكـون غيـر منـام؟

وكذلك قصيدتها “مصر ساحرة التاريخ”، وفيها تقول:

حبيبة الروح يا روحي ويا ذاتـي

الشوق يعصف بي لولا علالاتي

هذي سنـون توالـت إثـر فـرقتنـا

ولـسـت أمـلـك إلا حـر آهــاتـي

يـا مصـر يـا قبلـة للـفـن باركها

روح القـديـر بـآي عـبــر آيـات

اتصفت الألفاظ والمعاني التي أوردتها الشاعرة في نصوصها الشعرية بالوضوح والجدية، كما جاءت صورها وأخيلتها، مألوفة وسائدة، لأنها وليدة عاطفة وإحساس وشعور قوي، منتزعة من ذات الشاعرة وبطريقة مباشرة ومألوفة، ويظهر ذلك في قصيدتها “أمانة”:ـ

يهون عليك اليوم مثلي ولـم أكـن

لأحســــب يومًـا أنني ســــأهـون
يلـذ لكــم  ذلـي  فـأنـكــر عزتـي 

لديكــم  ويقســـو قلبكــم وأليــــن
فحتـام أرجو  والرجـاء يخونـني

وقلبي على العلات ليـس يخون؟

وقصيدتها (خطوات) وهي تدل على أسلوبها الوصفي المكين:

دعهـا ومـالـك والـرفـات

وأنـت فـي فـجـر الحيـاة

يا شاعري دع عالـم الــ

أموات وأبحث عن سواه

فــي عـالـم نـشـوان يجــ

ـهل ما سقي أو من سقاه

والحسـن بين يديـه يســ

ـعى والهون يندى شذاه

كانت عاتكة ثورية في شعرها، خاصة تلك القصائد التي تفضح فيها فساد الحكومات العربية القائمة آنذاك، ما أدى إلى النكبة الفلسطينية، تقول في قصيدة عنوانها ”فلسطين، هيا ثورة عربية”:

إليـك عـن الشـكـوى فلسطـيـن إنَّنـا  

نفـوسٌ ستـحـيـا أو تـكـون حطـامـا

لقـد جمعـتنـا يـا فــلـسطيــنُ نـكـبـةٌ   

كمـا تجمـعُ الأحـزانُ شمـلَ يتـامـى 

فـلسطيــن هيــــــا ثــورة عــربيــة   

تـصـيِّـرُ أبـــراج الـطــغـاة ركـامـا

ولابد أن أختتم مقالتي ببعض المعاني الزاخرة التي أنشدتها لوطنها وأمتها العربية، حيث قالت:

تمهل أبيت اللعن  جرت على القصد

فلـيـس لمـثـلـي أن تـقـابــل بالـصــد

بـلادك ـ إن ترشــد ـ بـلادي  وإنّهـا

عشيري وأحبابي وأنفـس ما عنــدي

هواي بها، ما حدت عن عهد حبهـا

وحاشا  لمثلي  أن تحيـد عـن العهـد

وكيـف وقــد ملـكتـهـا كـل مهـجـتـي

وإنّي لأخفي في الهوى فوق ما أبدي

 

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود