مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

هاني الغيتاوي* لم أكن أتصور أن الحب يُمكن أن يتحول إلى ملفٍ في دعوى قضائية، أو أ …

في المقهى السائل (1) الحب الذي نُقش على الماء.. تأملات في فكر زيجمونت باومان

منذ 3 أسابيع

18

0

هاني الغيتاوي*

لم أكن أتصور أن الحب يُمكن أن يتحول إلى ملفٍ في دعوى قضائية، أو أن يُصبح مادة تُعرض أمام العدالة بدل أن تروى في الأغاني أو تكتب في الرسائل القديمة، لكنني وقفتُ ذات يومٍ أمام قضية ابتزاز، رأيت فيها تجسيدًا لانكسار فكرة الحب، أكثر من كونها مجرد نزاع قانوني.

الضحية شابة في مُقتبل حياتها قررت أن تبدأ مرحلة جديدة بالزواج، كان الأمر طبيعيًا لا يثير الريبة، إلى أن ظهر في المشهد رجل كان قد ارتبط بها عاطفيًا في وقت سابق.

كان يعتقد أن بينهما ما لا ينتهي، وأن الحب كما يتخيله لا توصد أبوابه بقرار منفرد، ولا ينتهي بانتقال من تحب إلى حياة أخرى.

لذلك، حين علم بخبر زواجها، لم يحتمل الفكرة، لم يناقشها، لم يحاول فهمها، بل لجأ إلى ما ظنه “ردًا على الخيانة”.. بدأ يهددها بنشر رسائلها الخاصة وصورها، محاولًا أن يُعيدها إليه بالقوة، أو أن يعاقبها على ما اجترحته في حقه أن فضلت شخصًا آخر عليه.

كان يظن أنه يدافع عن الحب، بينما كان في الحقيقة يُدافع عن أنانيته المجرّدة من الحب. 

لأول وهلة قد يظن البعض أن القضية مجرد دعوى فردية، لكن في الحقيقة المشهد أبعد من ذلك تمامًا، فالقضية أقرب إلى مرآة لعصرٍ كاملٍ فيه تختلط المشاعر بالسيطرة، والرغبة بالامتلاك، والارتباط بالخوف من الفقد.

هناك لم يعد الحب قصة بين قلبين، بل صار مادة للتهديد، ووسيلة للضغط، وأداة لإثبات الوجود على حساب حرية الآخر.

في تلك اللحظة، لم أستطع إلاّ أن أستحضر ما كتبه “زيجمونت باومان” عن “الحب السائل” ، ذلك الحب الذي يولد في عالم متغيّر، سريع التبدّل، لا يقوى على الثبات، فيتحول في لحظة الألم إلى رغبة في السيطرة بـدل الاحتواء  وإلى خوفٍ من الفقد بدل الإيمان بالحرية.

في رأيي أن ما جرى وفق ما نحى إليه زيجمونت وما شاهدته من وقائع وملابسات، لم يكن حبًا، بل كان شكلًا مشوهًا منه؛ فالشخص الذي يعتقد أنه كان يحب، لم يعرف معنى الحب، لأنه إن علم معناه لانسحب حين رآه ينتهي، لا أن ينهيه بطريقة عدوانية.

هذا الشخص غلبت عليه الأنانية، فلم يعد يحتمل فكرة أن من يظن أنه يحبها لم تعد ملكًا له، بل حرة تفعل ما تشاء، لم يعد يحتمل أنها كيان مستقل يملك حق الاختيار والرحيل، وأنها ليست امتدادًا له كما يتصور وكما يريد أن يكون دون إرادة منها أو اختيار.

لقد بدا واضحًا أن المشكلة لم تكن في انتهاء العلاقة، بل في العجز عن تقبل انتهائها، فحين يغيب الفهم العميق لمعنى الحب، يتحول الارتباط إلى نوع من الامتلاك، ويتحول الانفصال إلى جريمة في نظر من يرفض فقدان السيطرة.

في زمننا، كثير من العلاقات تبدأ خفيفة، سريعة، كأنها ولدت من لحظة إعجاب خاطفة، لكنها حين تواجه الحقيقة تتعثّر لأنها لم تُبنَ على أساسٍ من النضج أو الوعي بالآخر، هكذا عندما تصل إلى نهايتها الطبيعية، لا تنتهي بهدوء، بل تنفجر في أشكال من الألم، أو الانتقام، أو الابتزاز أو محاولة إعادة امتلاك ما لم يعد قابلًا للامتلاك.

كان الرجل في تلك القضية يظن أنه يحمي الحب، لكنه في الواقع كان يقتل آخر ما يمكن أن يبقى منه، لأن الحب حين يتحول من ملاذٍ إلى قيد، ولا يعود حبًا بل صورة من صور الهيمنة.

هكذا بدا لي أن ما سماه باومان “السيولة” لا يصف فقط هشاشة العلاقات، بل يصف أيضًا هشاشة قدرتنا على إنهائها بإنسانية، فنحن لا نتعلّم كيف نغلق الدوائر بهدوء، بل نتركها تتشقق حتى تتحول إلى جروحٍ مفتوحة.

في النهاية، لم تكن تلك القضية مجرد نزاع قانوني، بل كانت سؤالًا أكبر من أطرافها: ماذا يبقى من الحب حين يتحول إلى رغبة في السيطرة؟

وماذا يحدث للعلاقات حين نفقد القدرة على نهايتها الطبيعية؟

ربما لم يكن الحب الذي كان بينهما سوى نقشٌ على الماء… جميل في بدايته، مستحيل في استمراره، وقاسٍ حين نحاول الإمساك به بعد أن تلاشى.

* كاتب من مصر

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود