334
0
607
0
194
0
509
0
396
0
5
0
5
0
3
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13665
0
13513
0
12341
0
12194
0
9660
0

حسين خليل نصيف*
عودة (التعلم عن بعد) في بعض دول الخليج، بسبب الحرب في الشرق الأوسط، ذكرتنا بحالة الإغلاق التي رافقت جائحة كرونا، والتي لم يمض عليها وقت طويل.
مثل هذه الفترات الصعبة التي تحل بالمجتمعات، تجد لها من يوثقها من الأدباء، وذلك بجعلها خلفية لأحداث تجري في سياقات اجتماعية وثقافية معينة.
وبين هذين الإغلاقين، سنجد أن من أكثر المتأثرين بذلك هم فئة طلاب المدارس، من أطفال ويافعين، لذلك جاءت في هذه الأجواء، رواية (يوميات بنكهة كوفيد) للكاتبة فاطمة خوجه والتي نشرتها مؤسسة جبل عمان ناشرون، وهي الرواية الموجهة لليافعين الفائزة بجائزة عبد الحميد شومان لأدب الأطفال دورة العام 2021م، والتي كان موضوعها (كتابة اليوميات).
من أبرز العناصر التي يمكن الإضاءة عليها في العمل هي عنصر المحلية، إذ أن الرواية تدور أحداثها في مدينة الرياض بالمملكة العربية السعودية. ولطالما كان هذا البلد المترامي الأطراف، بالنسبة لنا كبحرينيين، العالم الواسع الذي كلما زرناه فإننا نكتشف فيه الجديد، إن كان في عادات وتقاليد أهله، أو في تنوع بيئته، أو في لهجته المحكية وأمثاله الشعبية.
فالذي يصل بين المملكة العربية السعودية ومملكة البحرين جسر طوله 25 كيلومتر، هو جسر الملك فهد، وبعده يكمن عالم جديد بالنسبة لنا.
أذكر عندما زرت المملكة العربية السعودية لأول مرة، لفتت انتباهي أشياء جديدة لم أكن شادتها من قبل، على سبيل المثال، في الطريق الطويل وسط الصحراء، وأنا لا أنام في الحافلة مهما طالت الرحلة، رأيت السماء المليئة بالنجوم لأول مرة، المليئة بحيث لا يكاد يوجد فراغ بين نجمة وأخرى، هذا المشهد حيث يكون التلوث الضوئي في أدنى مستوياته. وكذلك رؤية الجبال العالية لأول مرة، والتي كأن طبقاتها تحكي لنا قصة نشأة كوكب الأرض في الزمن السحيق. وكذلك شدتني رؤية الجمال بألوانها المتعددة، وأشجار النخيل ذات الأشكال المتنوعة.
كل تلك المناظر الطبيعية في كفة، واللهجة المحلية والكلمات الجديدة التي نسمعها من الباعة والمتجولين في كفة أخرى.
إذًا هو عالم جديد، تتعرف فيه على أشياء جديدة، بعد كل زيارة.
ومن هنا قرأت الرواية في محاولة لقراءة تلك البيئة المحلية بتجلياتها البيئية والثقافية.
الرواية عن ولد يافع اسمه خالد، يضطر للبقاء عند جده في المزرعة لبضعة أيام، ريثما يعود والداه من السفر. تتصادف مدة بقائه مع جده مع تفشي فيروس كرونا وحالة الإغلاق التي تعم البلاد. كيف ستكون العلاقة بين الجد الصارم والمنضبط مع الحفيد اللامبالي؟ هذا هو سؤال الرواية المحوري.
الرواية تأخذك في رحلة سياحية ثقافية في إحدى مناطق المملكة، ونود الإضاءة على عدد من أركان تلك السياحة.
تنتقل الرواية من صخب المدينة إلى سكينة المزرعة، بما تحمله المزرعة من أبعاد اجتماعية وثقافية في المجتمع السعودي، كما أن العائلة في النص ليست مجرد تجمع لأفراد، بل هي منظومة قيمية يحكمها توقير الكبار وحاجات الأحفاد المتغيرة، لنرى كيف تصبح التقنيات الحديثة مثل الاتصال المرئي إلى جسر لنقل دفء عائلي يتجاوز برودة العزلة العالمية.
وفي إطار العائلة، نسمع تعليمات الجد لحفيده كأداة لوصف العلاقات داخل الأسرة: شد ظهرك، عدّل قميصك، ما عندك مكنة حلاقة؟ نعلك يصدر صوت.. الركادة زينة..
هذه البيئة المحلية الصارمة والحنونة في آنٍ واحد، كانت بمثابة (مختبر نضج) لخالد. فالفتى الذي كان يعيش خلف شاشات الأجهزة، تماهى تدريجياً مع طقوس جده، ليتحول حظر التجول من قيد إلى رحلة لاكتشاف الذات والأسرة.
من أهم أركان المحلية في النص هو (الطعام)، و(المطبخ) بوصفه جزء من الهوية. إذ نرى مشاهد تحضير الطعام في المطبخ، أو تناوله على المائدة، من) السليق( و)المندي( إلى خبز المنزل، وهي مشاهد تجعل الطعام المحلي كركن أساسي في الرواية، ومن خلاله نشعر أن الكاتبة تستخدم )المذاق( كأداة لاستعادة الطمأنينة، فهناك رائحة النعناع والحبق الطازج المقطوف من أرض المزرعة، ورائحة الهيل والقهوة، التي لا تقدم لك تفصيلًا حسيًا، بقدر ما تعطر أجواء النص بعطر الهوية، الذي يربط الأسرة بتراب الأرض، في وقت كان العالم فيه يغرق في روائح المعقمات.
وفي مشهد له دلالات كبيرة، نرى الجد مع الحفيد يصنعون (البانكيك) الذي علمتهم طريقة صنعه الأم الموجودة في أمريكا، عبر الاتصال المرئي، فنجد الجد يضيف لمسته الخاصة، ويستبدل الفانيلا بالهيل المطحون! ونلاحظ هنا كيف نجحت الكاتبة في جعل التكنولوجيا خادمة للأصالة لا بديلة عنها. فالشاشات لم تزد أفراد الأسرة عزلة، بل كانت نافذة يتدفق عبرها الحنان العابر للقارات.
وتتجلى المحلية في مشاهد صنع الأطباق الشعبية، مثل طبق (الحنيني)، المكون أساسًا من دقيق القمح الأسمر والتمر والزبدة والهيل والزعفران والمكسرات، وهو من الأطباق التي توارثت الأجيال تقديمه إلى النساء في فترة النفاس، بما يحمله من فوائد صحية ومدلولات ثقافية، وستجد نظائر لهذا الطبق في مجتمعات عربية مختلفة ضمن طقوس الاحتفاء بالوالدة ومولودها.
وكذلك، نرى المكانة البارزة للنخلة في الرواية، تلك الشجرة التي تظل ثابتة في وسط عالم متغير. مشاهد عمل الفتى خالد في المزرعة، وصعوده إلى أعلى النخلة بالطريقة التقليدية التي يلف فيها حبلًا بين ظهره وجذع النخلة، يجعل النخلة رمزا للعمل اليدوي المتصل بالأرض، والذي بإمكانه أن يحمي الناس من آثار العزلة.
والنخلة هنا ليست مجرد شجرة، فنرى كيف أن الجد يقترب من النخلات ويحييهن بأسمائهن: صباح الخير أيتها المباركة، مرحبًا يا آنسة تالة، هلا هلا بأم الحصاد، ما شاء الله على الزينة أم الزين.. لنجد كيف أصبحت هذه الكائنات شركاء في التواصل في وقت انقطع فيه البشر عن بعضهم البعض.
وفي المائدة، ستجد الرطب حاضرًا دائمًا، مع فنجان القهوة العربية، وبعدد له دلالات دينية واجتماعية (سبع تمرات مع كأس حليب).
المحلية في الرواية ليست مادية فحسب، بل ستسمع الموسيقى الحجازية المعزوفة على العود أو الناي، كمحاولة لخلق أصوات تخترق وحشة الحجر، وتعكس انتقال الذائقة الفنية عبر أجيال العائلة. كما سترى الحناء في يد المدبرة المنزلية، وكذلك بعض العادات المتوارثة مثل كسر الإناء الخزفي كدلالة على انتهاء مرحلة وابتداء مرحلة أخرى.
ختاماً، يمكن القول إن رواية (يوميات بنكهة كوفيد) لفاطمة خوجة، لم تكن مجرد تدوين لأيام حجر منزلي ثقيل عصف بالعالم، بل هي احتفاء بهيج بالحياة في تفاصيلها الصغيرة.
*كاتب في مجال أدب الأطفال واليافعين من مملكة البحرين