421
0
965
0
1173
0
1085
0
1384
0
1
0
3
0
1
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13665
0
13512
0
12341
0
12194
0
9660
0

الكاتبة: حصة بنت عبد العزيز*
ليست الحكاية ما تراه العين، بل ما يوقظه الخيال.
حين يفتح الطفل كتاباً، فإنه لا يبحث عن صورةٍ مكتملة بقدر ما يبحث عن نافذةٍ يعبر منها إلى عالمٍ لم يُخلق بعد. وما إن تنبض الكلمات في الصفحة، حتى تبدأ في داخله حكاية أخرى؛ حديقة تزهر كما يشتهي، وسماءٌ يلونها كما يحلم، وأبطالٌ يمنحهم من ملامحه وأحلامه ما يجعلهم أقرب إليه من أي رسمٍ جاهز.
تلك هي هبة الكلمة؛ فهي لا تفرض شكلاً واحداً للعالم، بل تمنح كل طفل عالمه الخاص. إن النص الأدبي لا يُقرأ فحسب، بل يُعاد خلقه مع كل قارئ، وكأن الحكاية تولد من جديد كلما وقعت عليها عينٌ صغيرة تؤمن بأن الخيال يعيد ترتيب العالم كما ينبغي أن يكون.
غير أن المشهد الثقافي المعاصر أخذ يميل إلى اختزال الحكاية في الصورة، حتى غدت الرسوم تتصدر المشهد، وتوارت الكلمات في الخلف، وأصبح الإبهار البصري يسبق متعة الاكتشاف. ولم يعد الطفل مدعواً إلى أن يتخيل ملامح البطل أو يرسم تفاصيل المكان؛ لأن الصورة قد سبقته إليها، واختارت عنه، وأغلقت أمامه أبواب الاحتمالات.
وليس الاعتراض على الصورة؛ فهي رفيقة النص، وجسرٌ جميل يعين الطفل على الفهم ويستثير فضوله، لكن الاعتراض يبدأ حين تتحول من رفيقٍ للحكاية إلى بديلٍ عنها، ومن مفتاحٍ للخيال إلى بابٍ موصدٍ في وجهه.
إن الكلمة تمنح الطفل حرية الاكتشاف، أما الصورة المكتملة فتمنحه إجابةً نهائية. الكلمة تسأله: «كيف ترى هذا العالم؟» بينما تخبره الصورة: «هكذا هو العالم». وبين السؤال والإجابة تتحدد المسافة التي ينمو فيها الخيال أو ينكمش.
ولذلك، فإن الرسوم الأكثر نجاحاً ليست تلك التي تكشف كل شيء، بل تلك التي تعرف كيف تُخفي بقدر ما تُظهر، فتترك مساحةً بيضاء يتسلل منها خيال الطفل، ويملؤها بما لا يستطيع الرسام نفسه أن يرسمه. فالفن العظيم لا يكتمل على الورق، وإنما يكتمل في ذهن المتلقي.
وليس هذا أمراً نظرياً فحسب؛ فكم من طفلٍ سمع في سنواته الأولى حكايةً من جدته أو والدته دون أن تصاحبها صورة واحدة، ومع ذلك ظل يحتفظ في ذاكرته بصورةٍ خاصة للحديقة، وللبيت، وللأبطال. لم تكن تلك الصور مرسومة على الورق، بل تشكّلت في الخيال، ولذلك بقيت أكثر رسوخاً وأشد التصاقاً بالذاكرة.
ولعل أخطر ما يخسره الطفل حين يعتاد الصور الجاهزة لا يتمثل في فقدان متعة القراءة فحسب، بل في تراجع قدرته على بناء الصورة الذهنية؛ تلك القدرة التي تُعد حجر الأساس للتفكير العميق، والإبداع، والتأمل، وحل المشكلات. فالطفل الذي يقرأ يرسم بعقله، ويؤلف بقلبه، ويُخرج المشاهد في خياله، فيصبح شريكاً في صناعة الحكاية، لا مجرد متفرجٍ عليها.
ومن هنا، فإن مسؤولية كاتب أدب الطفل، ورسّامه، وناشره، لا تقتصر على إنتاج كتابٍ جميل، بل تمتد إلى صون حق الطفل في أن يتخيل. فالجمال الحقيقي ليس في كثرة الألوان، وإنما في المساحات التي تتركها الألوان للروح كي تُكمل اللوحة.
ولعل الكتب التي بقيت في ذاكرتنا لم تبقَ لأن صورها كانت أكثر بريقاً، بل لأن كلماتها كانت أوسع من صفحاتها، ولأنها تركت في داخلنا أبواباً مفتوحة لم نغلقها حتى كبرنا. فما زلنا نرى أبطالها بملامح رسمناها نحن، ونعود إلى أمكنتها كما يعود المرء إلى بيتٍ بناه بيديه.
إن الخيال ليس ترفاً تربوياً، ولا زينةً تُضاف إلى النص، بل هو البذرة الأولى لكل فكرة عظيمة، ولكل اختراع، ولكل قصيدة، ولكل حلم. والطفل الذي يتعلم أن يرى بعقله ما لا تراه عيناه، هو الطفل الذي سيرى في الغد ما عجز الآخرون عن رؤيته.
لذلك، حين تختصر الصورة الحكاية، فإنها قد تختصر معها رحلةً كاملة من التأمل، والاكتشاف، والإبداع. وربما تربح العين لحظةً من الدهشة، لكنها تخسر عمراً من الخيال.
فالطفل لا يحتاج إلى حكاياتٍ تملأ العين بالألوان، بقدر ما يحتاج إلى حكاياتٍ تفتح القلب على الأسئلة، وتوقظ العقل على الاحتمالات، وتترك للخيال حقَّه في أن يكون شريكاً في الخلق.
فأجمل الحكايات ليست تلك التي تُرينا كل شيء، بل تلك التي تغلق صفحاتها… وتظل مفتوحة في خيال الطفل.
*كاتبة سعودية
7aerh_4@