3
0
1
0
2
0
2
0
1
0
1
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13746
0
13586
0
12409
0
12222
0
9735
0

حسين الدراج *
حين أبتعد عن بيتي، تتّسع في داخلي أشياء صغيرة: صوت المفتاح في الباب، كوبٌ أعرف موضعه، ونداءٌ يأتي
من آخر الممرّ: «أبي».
أحمل هذه التفاصيل معي. أضع حقيبتي في المكان الذي أصل إليه، وتظلّ هي على كتفي، خفيفةً بما يكفي
لأمضي، وثقيلةً بما يكفي لأعرف لماذا أعود.
وفي الطريق، كلما رأيت لوحةً تحمل اسم مدينة سعودية، شعرت أن للبيت أبوابًا أكثر مما كنت أظن.
تتبدّل الجبال، وتتّسع السهول، وتطول المسافة بين ضوءٍ وضوء. أتوقّف عند محطة، فيناولني رجلٌ كوب ماء،
ويدلّني آخر على الطريق. لا يسألني أحدٌ عمّن أكون قبل أن يقول: «حيّاك الله». أعود إلى سيارتي وقد خفّ شيءٌ
من وحشة السفر. ثم أتّصل بأهلي: «أنا بخير»، وأسمع البيت يستأنف مساءه في الطرف الآخر.
يا وطني، أعرفك في هذه الطمأنينة التي تسافر في جملة قصيرة.
وأعرفك في رجلٍ يقاوم نعاسه ليبقى الطريق مفتوحًا، وفي معلّمٍ ينحني على دفتر صغير، يعيد شرح الحرف كأن
مستقبل البلاد ينتظر أن يكتبه طفلٌ على نحوٍ صحيح. أعرفك في يدٍ تصلح ما أفسده العبور، ثم تنصرف قبل أن
نعرف صاحبها.
كبرتُ وأنا أرى اسمك فوق السبورة. كنت أكتبه في دفتري، وأحرص ألّا يسقط منه حرف. واليوم، حين أتأمّل ما
تمنحه هذه الأرض لأبنائي من فرصةٍ وحلم، أشعر أن عليّ أن أحسن كتابة اسمي أنا أيضًا؛ أن أتركه على عملٍ
أتقنته، ووعدٍ وفيت به، وحقٍّ أعدته إلى صاحبه.
في يومك الوطني، أرفع العلم، وأتذكّر الأيدي التي أتاحت لنا أن نرفعه بهذا الفرح. أنظر إلى أبنائي وهم
يتزاحمون عند النافذة، لكلٍّ منهم أمنيةٌ أكبر من عمره، فأفسح لهم المكان. أريدهم أن يروا بعيدًا، وأن يجدوا في
هذه الأرض متّسعًا لما يرون.
ثم أعود إلى تلك الكلمة التي تناديني من آخر الممرّ: «أبي».
ألتفت.
وفي التفاتتي رجاءٌ أن أكون أهلًا لهذا النداء، وأن أترك لهم، حين يكبرون، بيتًا دافئًا، وبلادًا أضفتُ إلى خيرها
شيئًا.
*كاتب سعودي