مقالات مشابهة

أخر الأخبار

الأكثر مشاهدة

 نجلاء سلامة * أنْ تسمع أحدًا يتكلّم بلهجة وطنك وأنت مغتربٌ، فهذا يكفي ليثير بدا …

وطنٌ لا يغيب

منذ 55 دقيقة

9

0

 نجلاء سلامة *

أنْ تسمع أحدًا يتكلّم بلهجة وطنك وأنت مغتربٌ، فهذا يكفي ليثير بداخلك
حنينَ الوطن الكامن في قلبك، وفجأة وفي أقل من لحظةٍ واحدةٍ يتفجّر
بداخلك الحنين وتنساب الذكريات، وكأنَّ شريط الذّكريات الكامن بين
ضغوط الحياة ومشاغلها قد نفض الغبار عن نفسه ليعود للحظات في مشهدٍ
خاطفٍ يُذكّرك بما مضى.
وإذا تحدّثنا عن الوطن، فأعتقد أننا لن نستطيع أن نكون عادلين في هذا
الحديث، وإذا قارنّاه بغيره فدائمًا ما ستكون المقارنة لصالحه، وإذا أردنا أنْ
نعدّد مانحبّه فيه أو نصفه فلن نستطيع أيضًا، لأتَّه لا يمكن أنْ ينحصر في
عدة أشياء أو كلمات نصِفَها ونُعدّدها، بل هو أكبر من ذلك بكثير، ففي كل
زاوية منه حكاية، و لكل رائحة وكل صوت ذكرى، ووراء كل وجه تاريخ
سطَّرته المواقف والأحداث الحلوة والمرّة.
ولا أُبالغ في الحديث عن الوطن، ولا أقول أنَّه أفضل وأكمل مكان على
الأرض، ولكنَّه المكان الذي كانت فيه كلمة البداية، وأول كل شيء في
حياتنا، لذا لا يمكن أنْ ننظر إليه من ناحية المقارنة مع أوطان أخرى حتى
لو وصلت تلك الأخرى للكمال، وبالتأكيد هذا صعب، فأنت تُحب الوطن
لأنَّك قطعة منه وهو جزء من تكوينك، وفي هذه الحالة لايمكن مقارنة حبّه
بشيء آخر.
الوطن لا يُستبدل، ولا يُقارن، ولايُقايض على حبه، فقد تسافر خارجه
وتتغرّب لأي سببٍ كان، عمل أو علم أو أي سبب معيشي آخر، وقد
يحتضنك وطن آخر ويمنحك مالم يستطع وطنك أن يمنحك إياه، وقد ينشأ
جيل جديد داخل تلك الأوطان البديلة، لم يعرف وطنه الأصلي إلا من خلال
الصور وكلام الأهل وحنينهم، وبعض الزيارات الخاطفة، وهذا الجيل
يحتاج إلى أهل يكونوا حلقة وصلٍ بينهم وبين الوطن الأم.

الطّيور المهاجرة تترك عشها لتبحث عن مأوىً يمنحها الدفء لتكمل
حياتها، وقد تأوي إلى مكانٍ آخر بعض الوقت، ثم تعاود الرجوع مرة
أخرى لأعشاشها، وكذلك المغترب يعيش مغتربًا لفترةٍ تقلّ أو تكثر ولكن
يبقى إحساس العودة يراوده دائمًا، فالحقيقة التي لا جدال فيها، أنَّ وطن
الغربة الذي تعيش فيه لايتساوى مع وطن يعيش في داخلك، ووطن يمنحك
مأوى لا يتساوى مع وطن يمنحك ذاكرة وهويّة وحكاية.
تَنقّل واغترب كيفما شئت، ارتحل وتوجَّه صوب أي وجهةٍ أردت، ابحث
عن ضالتك في أي بقعة من بقاع الأرض، لكن مهما اغتربت أو ارتحلت أو
بحثت، فلن تجد مثل الشّعور الذي تشعر به في وطنك.

*كاتبة مصرية

الكلمات المفتاحية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود