مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

 الجازي القحطاني*   بين طيَّات العالم الكبير وشتى أنواع الحياة يمشي فيَّاض …

فيَّاض على غصن التفاح

منذ 10 ساعات

4

0

 الجازي القحطاني*

 

بين طيَّات العالم الكبير وشتى أنواع الحياة يمشي فيَّاض على السجاد الأحمر، ثم يحتسي قهوته المفضلة، يتلذذ بقطعة الكعك المصنوعة بحب، تتوالى عليه اللحظات السعيدة، وزخات الترف تُلبى له رغباته فور طلبه.

إلا أن فياضا يضمر داخله عالما صغيرا،  تهُم قدماه للذهاب له ، وفي صباح ناصع الجبين يجلي عن القلب الحزين ظلمته، ونسيم عليل ينعش الأفئدة، وعلى مائدة الإفطار الطويلة وأمام الأطباق المنوعة، قرر فياض أن يصارح والدته برغبته لزيارة الجدة هناء بقريتها الجميلة، لقضاء عطلة الأسبوع معها.

فردت عليه والدته قائلة : لكنك لن تستمتع وستندم ! تعجب فياض من قولها ذلك ورد : لماذا يا أمي ؟

فلزمت الصمت لم تجب وكأن فمها في تلك اللحظة حجراً صلداً، حينها بدأت أفكار فياض بالارتعاش وكلمة والدته ترنُ في رأسهِ، وقفت والدة فياض وسألته هل انتهيت من الإفطار فأجابها فياض: نعم.

قالت: إذاً استعد لذهابك للجدة هناء -حفظك الله-  تبسم فياض وذهب مسرعاً يحزم أمتعته، ويلبس أحسن هندام لديه،  وكانت الفرحة تحفهُ،  إذ بوالده يناديه بصوتٍ مرتفع قائلاً : يا فياض أسرع لنذهب للسوق نشتري هدية للجدة هناء،  ما أجمل أن تزرها ومعك شيئا يسعدها .

ذهبا للسوق وبمنتصف لحظات التسوق اندهش والد فياض من اختيار فياض للهدية، وضحك !! يا فياض ألم تلاحظ أنك لا تركز على نوع الهدية فقط، تركز على الألوان،  إنك ولد عجيب ينخطف قلبك لكل شيء أخضر !

ضحك فياض وقال : أسائلُ نفسي دائماً عن سر تعلقي بهذا اللون ولم أهتدِ لشيء ، مر الوقت ولم يتفقا على هديةِ مناسبة، إلا أن فياض كان مُلحًا على والده يشتري للجدة إبريقا أخضر اللون وأكوابا خضراء،  ووالده كان يحاول إقناعه بشراء هدية أخرى، فياض قد أخرج النقود ودفع قيمة الإبريق وأكوابه، وحينها قال له والده : إنك فعلاً عجيب ترفض شراء الساعة والعقد والزهر الأكثر جمالاً وتشتري لها هذه ! لا والأكواب كثيرة العدد وبدأ يضحك وهو يقول عجوز وحيدة ماذا تفعل بكل هذه الأكواب تكسرها أم تسقي بها أبقارها

خرجا من السوق وفياض يحمل الهدية بكل سرور وأوصله والده للحافلة التي ستأخذه لقرية الجدة هناء وودعه ورحل ، صعد فياض الحافلة وجلس بجانب النافذة ووضع حقيبته الصغيرة وكيس هديته بالمقعد المجاور له

وعند إنطلاق الحافلة إلا بفتى يطلب الجلوس بجانب فياض فسمح له فأخذ حقيبته والكيس للمكان المخصص لها وجلس بجانبه

الحافلة تسير والسكون ساد على الجميع ، وفجأة يقول الفتى لفياض :

الدقائق تتثاقل لطالما تمنيت أن يكن برفقتي صديق يحادثني عن تفاصيل يومه، عوضاً عن هذا السكون المخيف، نظر له فياض متأملاً وجهه البائس ، والدموع الحائرة بعينيه وهندامه الممزق،  والتفاحة التي بجيبه المأكول نصفها، فتشوق فياض لتبادل الحديث معه، فبدأ بسؤاله عن اسمه، فأجاب الفتى قائلاً : لماذا سألت عن الاسم؟!  أولاً: هل تختار صديقك بناء على اسمه؟ لماذا لم تبدأ بسؤالي عن موهبتي أو عن أحلامي المستقبلية؟ أو الخيار الثالث أسألني عن ما يدور برأسي؟؟  ، رد عليه فياض وهو متعجب من اندفاعه وقال : لا بأس أعتذر عن السؤال وألتفت فياض إلى النافذة مفضلاً تأملها على الحديث مع هذا الفتى ، وبعد ثوانٍ معدودة عاد هذا الفتى يطلب من فياض محادثته،  فأجاب فياض عليه أنا لا أعرف ماذا أقول لك، لكن قد تسلل الفضول بداخلي وأريد أن أسمعك،  ابتسم الفتى وقال: لو كان بوسعي لتحدثت مع كل من بالحافلة ،أريد أن يسمعني الجميع، أريد أن تخرج من فمي أكبر عدد ممكن من الكلمات، وأيضاً يا سعادتي لو تأخرت الحافلة بسيرها، ويا فرحتي لو توقفت عن السير ، وهنا بدأ فضول فياض في تزايد ، وكأن حديث هذا الفتى المبهم بدأ يشده ، فسأله فياض ولماذا تتمنى أن تتوقف بنا الحافلة ؟ فضحك الفتى وبدأ يعلو صوته وهو يقول: انظروا إنه أناني خاف أن تتحقق أمنيتي أن تتوقف الحافلة ،ونضطر للنزول إنه خائف أن تتسخ ملابسه الفخمة وخائف أن يموت جوعاً، خائف أن ينام على الأرضِ، معتادا على السرير الكبير، والغرفة الواسعة،  ثم بدأت دموعه العالقة تنزل، وسكت وبدأ بالبكاء وفياض ما زال في صدمته من كلماته الغريبة ،والأمر المؤلم بكاء هذا الفتى ففياض تيقن بداخله أن هذا الفتى متألم مجروح من هفواتِ هذه الحياة، حاول فياض أن يلطف عليه الجو ويمازحه وقال له : إني أريد أكل تفاحتك التي بيدك يبدو أنك تحب التفاح مثلي.

فمد له الفتى التفاحة وبدأ يمسح دموعه بيده الأخرى فأخذها فياض، ولكنه لا يريد أكلها فكان يفكر كيف يعيدها لصاحبها ، لأنه يبدو عليه أنه جائع ومتمسك بهذه التفاحة وكأنها طوق نجاة له فقال له : إني نسيت لا أحب التفاح الأحمر أحب الأخضر فقال له الفتى : أعطني التفاحة

وأخذها وأعطاها طفلة صغيرة تجلس بالمقعد الخلفي لهم وقال لفياض : وأنا سأجدُ تفاحا كثيراً عند وصولي للقرية ..

أقبل الكرى يغمض عيني فياض ، إذ بالحافلة تصل والجميع ينزل منها

فنزل فياض والفتى معه وكل واحد منهما لم يشبع فضوله بالحديث مع الآخر، قال فياض : سعيدُ بالجلوس بجانبك وأتمنى أن تكون بخير دائماً وأن تحافظ على ابتسامتك ، رد الفتى قائلاً: كنا مختلفين أنت هندام حسن وأنا العكس، أنت تحمل حقيبة وأنا فقط تفاحة، أنت تفضل السكوت وأنا أفضل الحديث، لكني أحببت الحديث معك مع السلامة .

ذهب الفتى مسرعاً ، ثم مشى فياض باتجاه منزل الجدة هناء إلى أن وصل.

وكان مترددا من طرق الباب، لأن الوقت متأخر، وفجأة إذ بالجدة تفتح الباب وهي ترحب مسرورة برؤية فياض،  قائلة له : كنت أنتظرك! والدتك أخبرتني بقدومك، إني سعيدة  ، فالوحدة تنهشني، كم أشفق على نفسي كأني فريسة بين مخالب الدهر! حاول فياض أن يسعدها بإخبارها بالهدية وطلب منها فتحها،  إذ بها تبتسم شكراً لك يا صغيري، لا أحتاج هدية، وجودك معي تحت سقف واحد يسعدني ، وبعد حديث لطيف ولحظات مغمورة بالحنان ، ذهبت لغرفتها للنوم،  وذهب فياض لغرفة الضيوف لينام، وضع حقيبته محاولا النوم ولكنه كان كالطائر المجنح حلق ولم يعد .

فتح الباب فياض وخرج ليستنشق الهواء النقي، ويتمتع بالأجواء الصباحية بالقرية، وتمايل الأشجار يمنة ويسره كأنها ترقص، وأصوات الأبقارمن حوله التي تعيده لزمن الطفولة ، استيقظت الجدة هناء بعد نوم طويل عميق وذهبت لإيقاظ فياض، والغريب أنها لم تجده!  ذهبت مسرعة لباحة البيت للبحث عنه ، هونت من روعها وقالت لنفسها لابد أنه يتنزه وسيعود، بدأت بإحضار الطعام ثم ذهبت لتطعم أبقارها ولتسقي أزهارها ،أخذها الوقت الطويل إلى أن عادت للمنزل، وإذ بفياض يستقبلها ويغني لها قائلاً : الجدة هناء أم اللطف والحنان، أخت الحسنِ والجمال، فانشرح خاطرها وكأن فياضا بحروفه هذه البسيطة يغيث قلبها العطشان ويلملم شتاتها ، وعند حلول المساء وفياض ذاهب لغرفته إذ به يرى الجدة ترتب الإبريق والأكواب الخضراء على طاولتها الصغيرة.

فدخل عليها وهو يقول : جميل أنها أعجبتك فردت عليه الجدة : والأجمل أنني متأكدة أنه بأحد الأيام سأجد من يزورني، لطالما حلمت بأن يكون لدي أحفاد صغار يلعبون معي ، إني أصبحت لا أبالي لأي شيء وكأن الحزن حمامة ترتدي ثياب حداد تحلق فوق رأسي ، إني أخاف الموت وحيدة فالموت وردة من ثلج لا يرحم أحدا، لكنني قادرة على تهوين كل صعب، إن لحظات الأمل الصغيرة جداً مختبئة في شراييني يا صغيري، تنقذني حينما أنغمس في وحل اليأس ، ثم وقفت وكأن مشاعرها بدأت بالارتعاش ما بين حزن وقوة وصمود، وما بين تناقض وصدق وقالت : أنا وأنت يا صغيري نتفق على حب اللون الأخضر، فرد عليها فياض متسائلا : يا جدتي أخبريني لماذا تحبينه لعلي أجد السبب الذي جعلني أيضاً أحبه ؟ ردت الجدة عليه : لون الطبيعة لون الحياة والنماء روح التفاؤل ولهذا السبب أشعر بأن الأمل ينبثق لروحي من كل قطعة خضراء وابتسمت وكأنها ابتسامة النصر..

وذهبت لتحضير كعكة التوت التي يحبها فياض ، وحينها بدأ فياض بالتذكر وربط الأحداث برأسه، قال: جدتي عندما خرجت للتنزه لفتت انتباهي المزرعة المقابلة ما أكبرها وما أجمل ثمارها! لقد حاولت دخولها لأمتع عينيّ برؤية جمال طبيعتها وحصادها، استغربت الجدة وبدأت ملامح وجهها تتغير متعجبة ماذا تقول ؟ قال فياض تعالي معي، وأمسك بيدها وخرجا مسرعين إلى أن وصلا إلى مزرعة كبيرة جداً، واندهشت الجدة ما هذا؟ ما أكثر النخيل والأشجار! ما أطول الحصاد! ماأبهى الثمار! فياض انظر يابني اللون الأخضر طاغٍ بكثرة، أنا الآن أعيش لحظة من الجمال

وفجأة إذ بفياض يرى ذلك الفتى متعجبا  ركض باتجاهه !

قائلا: هذا أنت صديق الحافلة؟!  ويرد عليه الفتى وهو بكامل سعادته وابتسامته العميقة : نعم ولكن ماذا تفعل هنا ؟! رد فياض : أتيت برفقة جدتي للمزرعة، فقال الفتى :  تعال معي أنت وجدتك .

وفجأة إذ بهم يقفون تحت شجرة تفاح كبيرة، ويقول لفياض : هل تذكر عندما قلت لك بالحافلة عندما أصل سأجد تفاحا كثيرا، كنت أقصد هذا التفاح، وهو ذو نكهة خاصة ، أنا من زرعها،  كنت دائما أتأمل نموها، وكل مرة تنمو كانت تنمو معها أحلامي وطموحاتي ، فرحت الجدة بلقاء هذا الفتى، وقالت: ما أجملك وما أجمل شجرتك! ولكن ماذا تفعل هنا وحدك يا صغيري ؟؟

رد الفتى بكل ثقة : إني هنا أقطع الأميال والمسافات للقاء شجرتي، لأرى الفقراء يأكلون من تفاحها ، لأرى المرهقين يستظلون بظلها، لأرى فيض عطائها يغمر الجميع، ويحتضن المحتاجين، إني أهرب من عناء معيشتي، أهرب من دقائق جمعي للمال لأعطيه عمي حتى لا يضربني، أهرب من المدينة التي توفي والدي فيها، أهرب من طيف الجوع الذي يلاحقني كل ليلة، أهرب وأهرب ولكني مازلت واقفا كشجرة بلا أغصان،  روحي مفعمة بالتوجس ، وعند رؤيتي لهذه الشجرة التي غرستها بيدي أشعر بأن العالم بخير وإنها ملاذ لأحزاني ، وهذه يا جدتي أحداث حياتي باختصار.

كانت الجدة تنظر له طيلة حديثه ولم تتفوه بحرف ، فسألها فياض يا جدتي ماذا أصابك ؟ فتبسمت لفياض وللفتى وقالت : هيا بنا لتناول ألذ وجبة عشاء يا صغاري ، وأحضر معك ياصغيري تفاحا من شجرتك البهية.

وصلوا المنزل وأحضرت الجدة العشاء، وفياض وصديقه يلعبان بالكرة في باحة البيت المغمورة بضياء القمر، شعر الفتى بالأمان في زوايا بيت الجدة، وأراد  أن يخبرهما بشعوره الجميل، وعلى مائدة العشاء بصوت مسرور قال: جدتي وفياض  شكراً على هذا السرور، شكراً على الوقت السعيد معكما ، إني أشعر بالأمان والراحة وأقدس هذه اللحظة .

أمطر الفرح  على قلب الجدة من حديث الفتى وقالت : أولاً أخبرني ما اسمك يا بني؟ وأخبرها : اسمي نائل، فردت : ما أجمل اسمك ومعناه ستنال مبتغاك -بإذن الله- نائل يا صغيري أنا ومنزلي نرحب بك وستكون لك غرفة خاصة تطل نافذتها على المزرعة، ولن أكون وحيدة بوجودك.

اقترب نائل منها وقبّل رأسها، وقال: لم أجد حنانا كحنانك إني محظوظ لقد لملمتي شتاتي وضياعي ، عمّ السرور عليهم وكأنها ليلة عيد، فقلوبهم الطيبة مغمورة بالفرحة والراحة ، وكأن بعضهم يداوي جراح الآخر ، فياض يضع رأسه على الوسادة لينام، إذ به يتذكر كلمة والدته، ستندم وبدأ يفكر، فجأة عرف ماذا كانت تقصد والدته ، كانت خائفة من أن فياضا لن يتمكن من إسعاد جدته، وإخراجها من وحدتها ،وسيؤثر عليه الأمر سلباً ، لكن فياضا كان عكس ذلك فقد كان سببا لصدفة خير من ألف ميعاد .

 

*كاتبة من السعودية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود