مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

ماجد حسين بكار* بدأت قاعة نادي الأدب الصيفية المكشوفة تكتظّ بالجمهور. هي صغيرة، …

أمسية عمرها عام

منذ 10 ساعات

7

0
ماجد حسين بكار*
بدأت قاعة نادي الأدب الصيفية المكشوفة تكتظّ بالجمهور. هي صغيرة، بالكاد تتّسع لمئة شخص.
ما أن حانت الساعة الثامنة والنصف، والقمر يغمر المكان نوره، حتى جلستُ على كرسيّ التقديم الأوسط إلى طاولة مستطيلة، عليها شرشف أبيض ناصع، قد ثُبّت فيها ناقل الصوت (ميكروفون)، وإلى يميني قمر نيّرٌ على الأرض؛ إنه الأديب المشهور، وإلى يساري قمر ثانٍ؛ إنها الأديبة المشهورة.
بدأت حديثي: بسم الله الرحمن الرحيم، أرحب بكم أجمل ترحيب. أودّ أن أذكّركم، أو من حضر منكم هنا قبل عام. كنا نحن الثلاثة، وأشرت إلى الأديبة والأديب إلى جانبيّ، وحينذاك قدمت هذه الأديبة المحترمة، وهمست لها: ما كُنْيَتُكِ؟ فردّت بخفَرٍ: عزباء!
وحينما قدّمت الأديب المحترم، همست في أذنه: ما كُنْيَتُكَ؟ فردّ بحزمٍ: أعزب!
بعد ذاك اللقاء انتحينا، ثلاثتنا، جانبًا على طاولة. وسألتهما سؤالًا مستغربًا: كيف اتّفق أنكما عزباء وأعزب في أمسيتنا هذه؟!
ضحكا وأجابا بأنه جاء صدفةً بلا اتفاق.
أحببت أن أتعمّق في حديثي معهما، من دون تطفّل، فأخبرتني الأديبة بسبب عزوبيتها، وأرجو أن تعيد حديثها على مسمع منكم. تفضلي!
قالت الأديبة: أنا صغرى خمس من البنات وأخوين. كبروا وتزوجوا، وأخذتهم الدنيا بمشاغلها. كبر والديّ وأنا ما زلت صغيرةً، فرأيت كيف صارا يحتاجان إلى رعاية أغمضَ عنها إخوتي، فآليت أن أرعاهما وأبرّهما ما استطعتُ، إلى توفاهما الله متلاحقين في السنة نفسها.
وجدت نفسي في بيت العائلة، بلا معيل، سوى نصيبي من تقاعد أبي.
قاطعتها: وكيف صرتِ أديبةً؟
قالت: منذ صغري وأنا أهتم بالقراءة ومطالعة الكتب، ثم بدأت محاولاتي في الكتابة، مستغلّةً وقت فراغي الطويل.
انتقلت بحديثي إلى الأديب: حدثنا عن حياتك يا أعزب!
ضحك، وقال: أنا أكبر إخوتي الستة. توفي والدي فور تخرجي من الجامعة. فتحمّلت مع أمي رعاية إخوتي حتى كبروا وتزوجوا، وتاهوا في دروب الحياة، وبقيت أنا وحدي مع أمي أرعاها وقد شارفت على الستين، وتحمل معها وجع السنين، وأمراضًا لا تستكين، إلى أن توفاها الله قبل عدة أشهر. وبقيت وحيدًا في بيت أمي وأبي، أشغل وقتي بالقراءة والكتابة، أو بتفقد إخوتي وأخواتي…
صفقت لهما، ثم قلت في حبور:
منذ عام كسبتُ معرفتهما، لكني بعد ذلك كسبت صداقتهما الطيبة، لأنهما يستحقان كلّ كرامة لما قدماه، جزاهما الله خيرًا!
واليومَ أمسيتنا مختلفة جدًّا؛ فلن نستمع فيها لنصوص من أديبينا، بل لنحتفل بهمها معًا!
ثم التفتُّ إلى باب داخليّ يفضي إلى مكتب إدارة النادي، وصحتُ: تفضّل يا مولانا!
فتح الباب، وأطلّ شيخ يرتدي عمامةً، ويحمل في يديه دفترًا كبيرًا…
قلت مرحّبًا: تعال هنا يا مولانا. نهضت وأجلسته مكاني، وأخذت جهاز الصوت معي، وتابعت موجّهًا كلامي للجمهور:
أمسيتنا الليلة تزهو بكم، وأنتم تمثلون جاهةً للأديب تطلبون يد الأديبة، وأنتم أنفسكم جاهة الردّ تعطون الأديبة للأديب.
أنتم الليلة تشهدون خطبتهما وإشهار زواجهما!
وقف الحضور وأخذوا يصفقون بفرحٍ وسعادةٍ غامرة، ومولانا يكتب!
*كاتب من الأردن
جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود