649
0
1058
0
428
0
850
0
431
0
7
0
6
0
22
0
7
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13773
0
13608
0
12428
0
12230
0
9751
0

عادل جاد*
بخيلاء، يطالع السلم الرخامي والجدران المطلية بألوان مبهرة عند مدخل العمارة. يبتسم ابتسامة عريضة، فيزداد بروز فكه، مؤكداً ملامح وجهه الريفية. يحيّي حارس الأمن القابع خلف مكتبه، فيرفع الرجل وجهه العابس ويتمتم بكلمات لا يكاد يسمعها.
يدخل شقته المواجهة لباب المصعد، ولا ينسى أن ينظر من العين السحرية، مستطلعاً الخارج. متعة لا تعادلها متعة يشعر بها حين يخطو إلى مسكنه في هذا الحي الراقي.
صحيح أن الشقة صغيرة، تقع في الدور الأرضي، بلا شرفة، وأن نوافذها حبيسة وتطل على المنور، لكن لا يهم. يكفي أنها في حي راقٍ، وأن المبنى فخم.
يمسح شعره المجعد، ويتذكر كيف باع نصف فدان من ميراثه في البلدة، وسط سخط أخيه الأكبر، إذ لم تكن تحويشة العمر التي جمعها خلال سنوات الغربة كافية لسداد ثمن الشقة.
وحين يسأله زميله في العمل عن عنوانه، يجيب بطريقة يجتهد أن تبدو طبيعية، مذكراً إياه باسم الحي الراقي. يلمح عندها ذلك البريق في عينيه، ويستشعر تقديراً خفياً يرضيه على الفور.
ينسى الزمن وهو ملتصق بباب الشقة والعين السحرية، كأنها عين ثالثة له. تطل من خلالها ذاكرته على واقعة الفتى الساكن في الطابق السادس، ابن السيدة صاحبة الكلب «لولو»، حين رآه يقبّل فتاة أمام المصعد في عجالة.
يحيّي الجارة ذات النظارة السوداء وهي تغادر المدخل، فلا ترد التحية.
بالتأكيد لم تلحظني، خاصة مع نبرة صوتي الضعيفة، هكذا همس لنفسه.
كانت العين السحرية لا تتيح له رؤية سوى المصعد، الذي يفصله حاجز صغير عن بقية المدخل. لذلك استعان بنجار ليثبت عيناً سحرية ثانية، تتيح له رؤية الباب الرئيسي ومكتب الأمن.
«إنجاز عظيم…»
رددها في سرّه وهو يمسح العين الجديدة بمنديل ورقي، كأنما يدشن اختراعاً بالغ الأهمية.
أما الحارس البدين، ذو النظارة السميكة، فلم يكن يرتاح له كثيراً. كان يقابله دائماً بفتور ولا مبالاة.
تعجب ذات يوم حين رآه من العين السحرية الجديدة، بمجرد دخوله الشقة، جالساً يسجل شيئاً في دفتر صغير.
ماذا يدون هذا الملعون؟
ربما يكتب تقارير عن سكان العمارة.
هيئته مريبة، ولا تبعث على الارتياح. أكيد أنه عميل للأمن.
هز رأسه وهو يذرع شقته جيئة وذهاباً، غارقاً في أفكاره. ربما عليه أن يحذر سكان العمارة منه، ولكن ماذا لو لم يصدقه أحد؟ عندها سيكون هو نفسه هدفاً محققاً لتقاريره القذرة.
حاول أن يعامله باحترام زائد، لكن بروده كان يشكل حاجزاً صلباً أحبط كل محاولاته.
ما زال ذلك الحقير منكباً على دفتره. يتوقف قليلاً، يفكر، ثم يسجل شيئاً. من الواضح أنه يرتب أفكاره قبل أن يكتب.
ربما من الأفضل أن يتجاهل الأمر، وأن يتصرف وكأنه غير موجود.
لكن الحارس لم يعد غير موجود.
صار يزوره في أحلامه، يخرج له دفتره الصغير، ويفتح صفحاته أمامه. أصبح يتمنى هلاك هذا الحارس البغيض، أو أن يموت فحسب.
ليس هناك أسوأ من المخبر والجاسوس… أعوذ بالله.
وذات مساء، لم يلمح الحارس البدين في المدخل. سأل زميله عنه، وتوقع أنه في إجازة أو في مهمة سرية.
لكن زميله أخبره بأنه فُصل من شركة الأمن، ثم أضاف، وسط دهشته:
— بسبب ضعف بصره وإدمانه حل الكلمات المتقاطعة.
مضى إلى شقته بهدوء. أحضر شريط لاصق وغطي العين السحرية .
*كاتب من مصر