الأكثر مشاهدة

فاطمة الشريف نسج خيوط هذا المقال، الذي يأتي على جزأين: تساؤلات في أروقة المتحف، …

القبعة: تساؤلات في أروقة المتحف (1)

منذ 10 ساعات

6

0

فاطمة الشريف

نسج خيوط هذا المقال، الذي يأتي على جزأين: تساؤلات في أروقة المتحف، وتأملات في تراث عالمي مشترك المثول أمام لوحة الفنان الأمريكي جون سينغر سارجنت Val d’Aosta: A Man Fishing، لم يكن أول ما استوقفني جمال ألوان وتكوين اللوحة؛ الجبل أو الماء أو حركة الصيد، وإنما قبعة الرجل، بدت لي ملفتة لدرجة أنني أجزم بأنها ليست الصورة التي تعكس واقع صياد في جبال الألب الإيطالية، إذ حملت في شكلها إيحاءً شرقيًا.

ومن هذه الملاحظة الصغيرة بدأت أبحث عن أعمال سارجنت الأخرى، لتظهر لي أن اللوحة إحدى المجموعات التشكيلية التي رسمها في مدينة Purtud بوادي أوستا الإيطالي، لأجد أن أغطية الرأس والأزياء ليست تفاصيل عابرة في عالمه التشكيلي، بل تحول جوهري في صناعة فنه.

في لوحته بعنوان: Dolce Far Niente، نرى شخصيات بأزياء شرقية داخل منظر طبيعي أوروبي. وفي لوحة أخرى بعنوان: A Man Seated by a Stream، يظهر رجل منفرد بجوار جدول جبلي بملابس فضفاضة تحمل إيحاءً شرقيًا. أما لوحة Woman in a Turkish Costume فتجعل المرجعية الشرقية أكثر وضوحًا من خلال العنوان نفسه.

ومع البحث، علمت أن اهتمام سارجنت بالشرق لم يكن عابرًا أو محصورًا في أعمال مجموعته الإيطالية Purtud؛ فقد زار مصر وتركيا وشمال أفريقيا مثل المغرب، ورسـم خلالها الشخصيات الشرقية والعمارة الإسلامية والمشاهد اليومية، تاركًا خلفه أعمالًا مستوحاة من شخصيات وأزياء ومشاهد عربية زارها ووقف عليها. أصبحت الأقمشة والأزياء وأغطية الرأس جزءًا من قاموسه البصري الذي وثّق من خلاله رحلاته إلى الشرق الأوسط. وهذا ما يجعل أعمال Purtud مثيرة للاهتمام، إذ توثّق قصة كيف أن سارجنت اصطحب معه إلى جبال الألب أزياء وقطعًا نسيجية شرقية اقتناها خلال رحلاته إلى الشرق الأدنى واستخدمها على نماذجه داخل البيئة الألبية، لم يعد الشرق مرتبطًا بمكان جغرافي محدد؛ بل أصبح سردية بصرية استطاع الفنان نقلها معه إلى مكان آخر، ومن هنا يمكن أن نرى كيف تحرر سـارجنت مـن سـرديات  البورتريه الـغربي الـذي اشـتهر بـه إلى صناعة سـرديـة جـديدة تـجلّت في لوحات أكثر مرونة، معتمدًا على تمثيل الشرق وإعادة استحضاره داخل المشهد الأوروبي.

وهنا أصبحت الأسئلة بالنسبة لي تتسع شيئاً فشيئاً في دوائر من التأمل في هوية صيادي سارجنت التي اختارها لتسكن فـي ذلك الوادي الأوروبي، وفي عـمق سيرته التشكيلية الثرية بـالفن والإبداع، وفي الأزياء وتمثيلاتها الثقافية بشكل عام، لاسيما أغطية الرأس تحديداً: 

هل نحن أمام مجرد قطعة من ملابس الصياد يلزمنا فحص هوية مرتديها، أم أن الفنان سارجنت استخدم القبعة ليمنح الشخصية هوية بصرية تتجاوز المكان؟ ماذا تعكس الأزياء في لوحة ما؟ وكيف يمكن لقطعة صغيرة أو كبيرة أن تنقل شخصية من مكان ثقافي إلى آخر؟ 

وكيف للأزياء وتمثيل ثقافة الشعوب أهمية في فهم تشكيل تراث عالمي مشترك؟ وكيف استطاع فنان مثل سارجنت جعل تلك الأزياء أداة تشكيلية لبناء شخصية لوحاته، وصناعة مشهد ثقافي جديد، وإنتاج إحساس بالمكان بالرغم من الاختلاف الثقافي الذي صنعته تلك الأزياء؟

وهنا أجد نفسي أتذكر معرض دوروثيا لانج الفوتوغرافي، حيث كتبت في ملاحظاتها الميدانية عن القبعة بوصفها أكثر من مجرد غطاء يحمي من الشمس والرياح؛ فهي تحمل أثر الخدمة والعمل وتربط الماضي بالحاضر، وفي صورتها المعروضة في (NGA) بعنوان (James Abner Turpin)، المزارع المستأجر في تكساس البالغ من العمر سبعين عامًا، ركزت لانج على اليد وهي تلتف حول حافة القبعة، تبدو اليد والقبعة معًا متآكلتين بفعل الزمن والعمل.

والأهم أن لانج لم تُظهر وجه توربين؛ وكأن الهوية انتقلت من ملامح الوجه إلى اليد والقبعة، وفي فضاء اللوحة التشكيلية والصورة الفوتوغرافية، يُفتح باب مختلف للمقارنة؛ فإذا كانت قبعة صورة لانج وسيلة لقراءة تاريخ الإنسان والعمل والطبقة والزمن، وتمثل شهادة اجتماعية لا تخبرنا فقط عن الشخص، بل عن العمل والاقتصاد والعمر والزمن الذي عاشه، فإن لوحات سارجنت تُعد جزءًا من بناء هوية شخصية تحمل إيحاءً ثقافيًا واجتماعيًا يمكن أن يرمز للتقدير والإعجاب؛ فهو يستعير أزياء حقيقية، ويعيد ترتيبها داخل تكويناته، ويمنحها وظيفة جمالية وثقافية جديدة.

لوحات الشرق لأيقونة كبار رواد الحركة الجمالية بأمريكا جون سينغر سارجنت (John Singer Sargent) الذي لم يكن فنه بحاجة إلى قصة أسطورية أو سرد تاريخي؛ بل جعل الجمال وحده كافيا لإحاطة نفسه بوفرة من الأشياء الجميلة لجعل فنه أكثر سعادة وأكثر إشباعا وأكثر مصداقية.

 كانت الحركة الجمالية دولية، ولكن كان لها حضور كبير في الولايات المتحدة حيث شرع القادة والفنانون والحرفيون في تحسين الفن والتصميم من خلال المدارس والدوريات والمتاحف الجديدة.

 كان متحف الفنون الجميلة (MFA) ومدرسته في بوسطن التي تأسست في عام 1872 نتاجا ساحرا لهذه الحركة بفنانين مبدعين، يعد سارجنت واحدا منهم، إذ اتخذ من الحركة الجمالية ومصادر إلهامها من الطبيعة والإبداع البشري مصدر رئيس لفنه، فكانت النتيجة غنية وانتقائية، وأعتمد أسلوبها الشائع في الاقتراض من أعماق ماضي أوروبا ومن الأراضي في جميع أنحاء العالم، وخاصة اليابان والشرق الأدنى، فقد أولى سارجنت اهتمامًا خاصًا برسم الشخصيات العربية ورصد أزياء الشرق باحترام خصوصيتها الثقافية؛ ويتجلى ذلك في حرصه على تجسيد تمثيلاته البصرية عبر أزياء الرجال والنساء، لاسيما طيات الأقمشة الفضفاضة، وتصوير الحشمة والوقار في أزياء النساء اللاتي يضفين قدسية على أفضية المشهد.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود