الأكثر مشاهدة

فاطمة الشريف تعدّ الذاكرة التشكيلية ركيزةً رئيسة في فنون أي شعب، فإذا أردنا التع …

صناعة ذاكرة تشكيلية عالمية

منذ ساعة واحدة

5

0

فاطمة الشريف

تعدّ الذاكرة التشكيلية ركيزةً رئيسة في فنون أي شعب، فإذا أردنا التعمق في ذاكرة الفن التشكيلي خلال القرون الماضية بالمقارنة مع القرن الحادي والعشرين، فعلينا، فيما أعتقد، أن نعيد النظر في قائمة Top 10 التقليدية التي لم تعد كافية للإجابة عن سؤال: ما أشهر اللوحات في العالم؟ إذ يمكننا أن نسأل بدلًا من ذلك: ما الأعمال الأكثر حضورًا متحفيًا، والأعمق أثرًا تاريخيًا وثقافيًا، والأكثر رسوخًا في الذاكرة الإنسانية بما تحمله من قصص ورموز، والأوسع انتشارًا عبر الميديا.

فمع تطور الميديا الرقمية، والسياحة الثقافية، والزيارات المتحفية العالمية، وحسابات المنصات الاجتماعية ذات الخطوط الزمنية المستنيرة فكرا ووعياً، وإتاحة التدفق المتواصل للصور والمحتوى البصري على نطاق غير مسبوق، أصبح حضور العمل التشكيلي يتجاوز حدود المكان والزمان؛ وأصبحت الصورة قادرة على الانتقال من قاعة المتحف إلى العدسة وألبوم الصور الرقمي الخاص، ومنها إلى الذاكرة البصرية الفردية والجمعية، متجاوزةً سياقها المحلي نحو فضاء بصري أوسع.

كان التجوال بين أروقة المتاحف والمؤسسات الفنية ذات الصلة، ومشاهدة الأعمال الأصلية، وقراءة صيغ توثيقها، وملاحظة حضور رواد الفن داخل المتحف ذاته وفي أماكن أخرى، فرصةً لا للتعرّف إلى الأعمال الفنية عن قرب فحسب، بل لإعادة النظر في بعض الأفكار والتصورات التي نحملها عن الفن ومكانته. فحضور الفن الأمريكي، مثلًا، قد يبدو أقل مكانةً من الفن الأوروبي في نظر كثير من النقاد والقيّمين والفنانين أنفسهم. وقد أسهمت هذه المشاهدات، فضلًا عن حوارات مع بعض الفنانين والفنانات من كلتا الثقافتين، في تحويل لحظات التأمل إلى جملة من التساؤلات حول الكيفية التي تتشكل بها الذاكرة الفنية. وهذه الملاحظة التأملية وليدة تجربة ذاتية تكررت في أروقة العديد من المتاحف الأمريكية، حتى تبلورت في هذا المقال في سؤالين أساسيين: كيف تتشكل الذاكرة الفنية في عصرنا؟ وكيف تُصنع ذاكرة تشكيلية عالمية تتسع لثقافات الشعوب وتواريخها؟

إن تأمل خريطة الفن العالمي كما تتجلى في الممارسات المتحفية يكشف لنا أن مكانة العمل الفني لا ترتبط بشهرته الجماهيرية وحدها؛ فثمة عوامل متعددة تسهم في تشكيل حضوره، منها رسوخه في الذاكرتين التاريخية والشعبية،

وحضوره المتحفي إلى جانب أعمال أقرانه من الفنانين الأوروبيين والأمريكيين، وتأثيره الثقافي الواسع، بما في ذلك أبعاده الدينية، وانتشاره الرقمي والإعلامي، فضلًا عن قدرة صورته على العبور بين المجتمعات والثقافات المختلفة، كالثقافتين الصينية واليابانية، والاستمرار في ذاكرة الأجيال الحاضرة والقادمة. وهو ما لمسته خلال العامين الأخيرين في العديد من المعارض التي زرتها، مثل معرض (Livre d’artiste) ومعرض (Miró and the United States).

في ظل الأدبيات الأمريكية السائدة في تلك المؤسسات والمتاحف، تكشّف لي مدى حضور الفن الأوروبي بوصفه رائدًا وملهمًا ومرجعًا للفن الأمريكي. ومن هنا، كانت تلك المعارض المتحفية دروسًا حقيقية في تأصيل الفن الأمريكي، وردّ كثير من منابعه إلى رواد الفن الأوروبي، وكأن أحدهما لا ينفك عن الآخر، وهو ما أسهم في ترسيخ مكانة الفن الأمريكي، وإبراز قيمته الفنية، وجعله جديرًا بالاهتمام والدراسة والبحث. وقد جعلتني هذه التجربة أتأمل في إمكان الإفادة من آليات بناء هذه الذاكرة في تجارب فنية أخرى. ومن هنا جاءت فكرة إعادة النظر في القوائم التقليدية، لا لإلغاء ما رسخ في الذاكرة الفنية العالمية، وإنما لتوسيعها وافساح المجال أمام أعمال وفنانين أسهموا، بطرائق مختلفة، في تشكيل الذاكرة البصرية للإنسانية.

ومما أثار اهتمامي مؤخرًا ما جرى تداوله حول أغلى اللوحات مبيعًا في الفن العربي، وهو أمر مبهج لما يسهم به من لفت الأنظار إلى الفن العربي، وتعزيز حضوره في المشهد الفني العالمي، الأمر الذي قادني إلى سؤال آخر: هل يعكس السعر في السوق بالضرورة الحضور الفني والتاريخي والثقافي للعمل؟ وهل اللوحة الأغلى ثمنًا هي بالضرورة الأكثر حضورًا وتأثيرًا؟ وهل يمكن أن نقيس أهمية الفنان من خلال السعر الذي حققته إحدى لوحاته في مزاد؟ فالسوق يمثل جانبًا من جوانب القيمة، لكنه لا يختزل القيمة الفنية والثقافية للعمل. فقد يكون عمل ما بالغ الأهمية تاريخيًا وثقافيًا من دون أن يحقق الرقم الأعلى في المزاد، بينما قد تحقق لوحة أخرى سعرًا استثنائيًا بفعل ندرتها، أو ظروف السوق، أو سمعة الفنان، أو المنافسة بين المقتنين. بل لعل السؤال الأهم هو: كيف يمكن للفن العربي أن يبني سرديات فنية قوية تُبرز تاريخه وخصوصيته وعلاقته بالفن العالمي؟ وما الإمكانات التي يفتحها الذكاء الاصطناعي أمام صناعة تجربة فنية عربية جديدة، تسهم في إعادة تشكيل ذاكرتها البصرية في الألفية الثالثة؟

وهكذا اتسعت دائرة التأمل، التي بدأت من أروقة المتاحف، لتشمل أخبار السوق وما يتنامى من حوار حول الفن الأمريكي في سياق مفهوم الفن العالمي، وتفضي إلى سؤال: كيف تتشكل قيمة الفن في عصرنا؟ ومن الذي يحدد ما يستحق أن نتذكره، وما يستحق أن نقتنيه، وما يستحق أن يُدفع فيه أعلى سعر؟ وهل يمكن النظر إلى الفن وفق تصنيفات جديدة تتيح لكل تجربة فنية أن تأخذ حقها في الحضور العالمي، كأن نتحدث، مثلًا، عن أهم عشر لوحات في الفن الياباني، أو العربي، أو الأمريكي؟ أما الفن الأوروبي، فقد حظي تاريخيًا بمساحة واسعة من الحضور والتعريف في الذاكرة الفنية العالمية، الأمر الذي يجعل الحاجة اليوم أكثر إلحاحًا إلى إفساح المجال أمام تجارب فنية أخرى. وأتذكر جيدًا والدتي، رحمها الله تعالى، في سبعينيات القرن الماضي، وما كانت تجلبه من رحلاتها إلى منزلنا من صور لأعمال فنية، من بينها الموناليزا لليوناردو دا فينشي، والطفل الباكي لبراغولين. ولعل هذه الذكرى الشخصية تقدم مثالًا بسيطًا على الكيفية التي عبرت بها بعض صور الفن الأوروبي حدود المتاحف والجغرافيا، واستقرت في البيوت والذاكرة الشعبية، حيث وجدت فيها الذات الإنسانية صورًا ورموزًا تلامس شيئًا من حياتها ومشاعرها، حتى لدى مجتمعات بعيدة عن مواطنها الأصلية. وهذا ما يجعلنا بالفعل في حاجة إلى تصنيفات أكثر تنوعًا، تحفظ الهوية الثقافية، وتعزيز التبادل الثقافي وانتشاره، وتحدّ من الهيمنة الثقافية ومن سيطرة سردية فنية واحدة على تصورنا للفن العالمي.

ولعل هذه الملاحظات المتحفية تقودنا إلى فهم أعمق لممارسات فنية ومتحفية تستحق التأمل والدراسة. ومما استوقفني، وآمل أن يستوقفكم، ما شاهدته في متحف بوسطن للفنون الجميلة (MFA)، حيث عُرضت أعمال للفنان الأمريكي جون سنغر سارجنت في سياق يستحضر أعمال دييغو فيلاسكيز، كما لفتت انتباهي لوحة للفنانة الأمريكية غريتشن وودمان روجرز في حوار بصري مع (الفتاة ذات القرط اللؤلؤي) ليوهانس فيرمير. 

وفي المعرض الوطني للفنون في واشنطن (NGA)، تأملت أيضًا الطريقة التي وُضعت بها لوحة نياغرا  (1857) لفريدريك إدوين تشرش في حوار متحفي مع مجموعة من الأعمال التي تناولت شلالات نياغرا. وعلى الرغم من صغر مساحة المعرض، الذي ضم خمس لوحات وبعض الوثائق وفيلمًا وثائقيًا، فقد استوقفتني تحديدًا لوحة للفنانة الأمريكية من أصول شيروكي كاي ووكينغستيك (2024). ويكشف العرض المتحفي للأعمال بهذه الطريقة عن أشكال متعددة من الحوار

الفني، كما توضح الصور أدناه التي التقطتها بعدستي في المتحفين؛ من بينها تأصيل التجربة الأمريكية في موروث الفن الأوروبي والكشف عن مواطن الالتقاء بينهما من جهة، وإبراز الحوار بين التجارب المختلفة داخل الفن الأمريكي نفسه من جهة أخرى. ومثل هذه الممارسات تدعونا، حتمًا، إلى التأمل والتساؤل من جديد حول الكيفية التي تُبنى بها عالمية الفن، وفي الدور الذي تؤديه المؤسسات المتحفية في تشكيل هذه العالمية ضمن سردية ظل فيها الفن الغربي مهيمنًا على جانب كبير من الذاكرة البصرية العالمية. 

ولعل ما يستوقفني في التجربة الأمريكية هنا ليس علاقتها بالفن الأوروبي في ذاتها، بقدر ما تكشفه من آليات صناعة ذاكرة فنية راسخة؛ من خلال التأصيل، والتوثيق، والعرض المتحفي، وربط الفنانين بمرجعياتهم ومدارسهم، ووضع أعمالهم في حوار مستمر مع تاريخ الفن. وهي تجربة أسهمت في ترسيخ حضور الفن الأمريكي عالميًا، وتدعونا، من ثم، إلى التساؤل عن إمكان الإفادة من آلياتها في بناء حضور أكثر رسوخًا لتجارب فنية تنتمي إلى ثقافات أخرى، من دون أن تفقد هذه التجارب هويتها وخصوصيتها. 

وعليه، ففي ظل العولمة المتسارعة والهيمنة الرقمية، علينا أن نتساءل: هل استطاع كل شعب، في المشهد الفني العالمي، أن يُظهر هويته الثقافية، وذاكرته الشعبية، وتاريخه، وحضارته من خلال فنه؟ وهل مُنح فنه مكانه في الذاكرة البصرية العالمية؟ أم أن مفهوم الفن العالمي ما يزال بحاجة إلى مزيد من التنوع والإنصاف، بما يحدّ من الهيمنة ويمنح التجارب الفنية المختلفة حقها في الحضور؟ ولنا أن نتساءل أيضًا: هل نجح الفن العربي فعلًا في دخول سوق الفن العالمية؟ وبأي أعمال وتجارب استطاع أن يثبت حضوره فيها؟

ولعل السؤال الأخير الذي يبقى مفتوحًا أمامنا ليس: أيّ الفنون أحق بالعالمية؟ بل: كيف نجعل مفهوم العالمية أكثر رحابةً، بحيث يتسع لذاكرة الإنسان بتنوع ثقافاته وحضاراته وتاريخه؟ وكيف نصنع، في ظل معطيات الألفية الثالثة، ذاكرة تشكيلية عالمية لا تختزل هذا التنوع في سردية واحدة؟ 

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود