ليست المجتمعات بمنأى عن الآفات لمجرد امتلاكها منظومة من القيم والتقاليد، كما أن الأرض لا تضمن سلامة محاصيلها بمجرد خصوبة تربتها. ففي المسافة بين القيم المعلنة والممارسات اليومية، قد تنشأ فجوات تتسلل منها سلوكيات وأفكار تضعف تماسك المجتمع وتؤثر في وعي أجياله. وحين تتسع هذه الفجوات، لا تكفي الإدانة ولا يجدي التذمر؛ بل يصبح من الضروري فهم أسبابها، وبناء بيئة ثقافية قادرة على إنتاج البدائل.
من هنا يبرز سؤال جوهري: إذا كنا نخشى تسلل الأفكار والسلوكيات الضارة إلى أجيالنا، فما الذي نقدمه لهم في المقابل؟ وأي محتوى معرفي وجمالي وأخلاقي نستطيع أن نجعله أكثر إقناعًا وجاذبية من البدائل التي ننتقدها؟
إنها قضية لا تتعلق بمكافحة الآفات فحسب، بل بكيفية زراعة الوعي ورعاية الإنسان.
الثقافة بوصفها حقلًا:
تربط الثقافة بالزراعة صلة دلالية عميقة؛ فكلمة Culture تعود إلى أصل لاتيني يرتبط بالحراثة والرعاية والإنماء، قبل أن يتسع معناها ليشمل تهذيب العقل وتكوين الإنسان. وتتيح لنا هذه العلاقة فهم الثقافة باعتبارها عملية مستمرة تتطلب الرعاية والتخطيط والتقويم.
فالمزارع لا ينتظر محصولًا سليمًا من تلقاء نفسه؛ بل يهيئ التربة، ويختار البذور، وينظم الري، ويكافح الآفات. كذلك المجتمع، يحتاج إلى مؤسسات تربوية وثقافية وإعلامية تتكامل في تنمية الوعي، وترسيخ القيم، وتعزيز القدرة على التمييز والنقد.
فالأسرة والمدرسة والإعلام والفنون والمنصات الرقمية تشارك جميعها في تشكيل تصورات الإنسان وسلوكياته. وإذا تراجعت جودة المحتوى الذي تقدمه، أو غابت البدائل الجاذبة، فقد تتسع المساحة أمام الاستهلاك الثقافي السطحي والأفكار المضللة والممارسات التي تتعارض مع المسؤولية الأخلاقية والاجتماعية.
مع ذلك، ليست كل ثقافة دخيلة آفة، ولا كل اختلاف تهديدًا للهوية؛ فالمجتمعات الحية لا تنغلق على نفسها، بل تنفتح على العالم بوعي، فتنتقي وتنتقد وتستفيد، دون التفريط في مرتكزاتها. فالهوية التي تتجمد تفقد قدرتها على التجدد، والثقافة التي تنفتح بلا وعي تفقد قدرتها على الاختيار.
الفن ومناعة المجتمع:
إذا كانت الثقافة حقلًا واسعًا تتشكل داخله تصورات الإنسان، فإن الفن أحد أهم الوسائل التي يمكن أن تسهم في تحسين خصوبته. فالفن ليس ترفًا أو زينة للحياة، بل ممارسة إنسانية تنمي الخيال، وتهذب الحساسية، وتثير الأسئلة، وتعمق فهم الذات والآخر.
وفي الفنون البصرية، يتعلم المتلقي قراءة العلاقات بين الشكل واللون والرمز والسياق، وتجاوز المظهر إلى المعنى. كما تمنح الممارسة الفنية الأطفال والشباب فرصًا للتعبير والتجريب والتعاون، وتسهم في تنمية الذائقة والقدرة على الحوار والتفكير النقدي.
من هذا المنطلق، يصبح الاستثمار في الفنون استثمارًا في المناعة الفكرية والجمالية للمجتمع. فالمتلقي الذي يمتلك أدوات القراءة والنقد يكون أقدر على التمييز بين الإبداع والابتذال، وبين الاختلاف الخلاق والخطاب المضلل.
لكن هذه الوظيفة لا تتحقق بمجرد تنظيم المعارض والفعاليات، أو زيادة أعداد الزوار؛ فالسؤال الأهم ليس كم فعالية أقمنا، بل ماذا أضافت إلى وعي الجمهور وذائقته؟ وهل أسهمت في توسيع المشاركة الثقافية، أم ظلت محصورة في دوائر محدودة؟
إن المؤسسة التي تقيس نجاحها بعدد الأنشطة وحده تشبه مزارعًا يقيس جودة محصوله بعدد مرات الري؛ فكلاهما يهتم بالإجراء أكثر من اهتمامه بالنتيجة.
مسؤولية المؤسسات الثقافية:
تمنح التحولات الثقافية التي تشهدها المملكة العربية السعودية فرصة واسعة لتعزيز حضور الفنون في الحياة اليومية، وتوثيق الذاكرة الوطنية، وتطوير التجارب الإبداعية. غير أن التوسع في المتاحف والمعارض والبرامج الثقافية يطرح سؤالًا أساسيًا: كيف ننتقل من تنظيم الفعاليات إلى صناعة الأثر؟
إن التراث السعودي، بما يحمله من تنوع جغرافي وجمالي، ليس مجرد موروث يُعرض في المناسبات، بل مصدر للإلهام والإبداع المعاصر. فالقط العسيري والزخارف النجدية والفنون التقليدية في الأحساء وغيرها من مناطق المملكة، يمكن أن تتحول إلى روافد حية للفنون البصرية وعالم التصميم، تربط الأجيال بذاكرتها عبر التجربة والإنتاج، لا التلقين وحده.
في المقابل، لا ينبغي أن يتحول الانفتاح على التجارب العالمية إلى استنساخ نماذج جاهزة؛ فقيمة التجربة الثقافية تكمن في قدرتها على الاستفادة من المنجز الإنساني وإنتاج خطاب إبداعي يمتلك خصوصيته.
ولا تقتصر الآفات الثقافية على سلوكيات الأفراد؛ فقد تظهر داخل المؤسسات في صورة بيروقراطية وشللية وواسطات وتفضيلات وإقصاءات متعمدة تعطل المبادرات، أو تغليب الكم على الكيف، أو ضعف النقد الذاتي وهدر الكفاءات الوطنية. فالمؤسسة التي تدعو إلى الإبداع ثم تحاصره تناقض رسالتها، والتي تطالب المجتمع بالوعي ثم ترفض النقد تحرم نفسها من أهم وسائل التطوير.
لذلك، ينبغي التعامل مع ملاحظات المثقفين والفنانين والجمهور باعتبارها تغذية راجعة تساعد في تصحيح المسار. كما يتعين قياس أثر البرامج الثقافية بصورة مستمرة، من خلال دراسة تفاعل الجمهور، وتطور معارفه ومهاراته، ومدى استدامة مشاركته؛ فالتقويم ليس إجراءً إداريًا، بل ضرورة مهنية لضمان جودة العمل الثقافي.
ماذا نزرع؟
إن مواجهة الآفات الثقافية لا تتحقق بالمنع والإدانة وحدهما، بل ببناء بدائل معرفية وفنية جاذبة، وتطوير برامج تستجيب لاحتياجات الأطفال والشباب والأسر، وتعزز التفكير النقدي والحوار والمسؤولية الأخلاقية. فالقيم لا تترسخ بتكرار الشعارات، إنما حين تتحول إلى ممارسة وخبرة حية.
ولا يمكن للفن أن يحل محل الأسرة أو المدرسة أو القانون، لكنه شريك أساسي في بناء الإنسان، وتنمية ذائقته، وتوسيع أفقه، وتعزيز قدرته على فهم العالم والتفاعل معه.
فالمجتمع الذي يريد حماية أجياله من الأفكار والسلوكيات الضارة، لا يكفيه أن يغلق الأبواب أمامها؛ بل عليه أن يفتح نوافذ واسعة للمعرفة، ويهيئ مساحات رحبة للإبداع، ويجعل من الجمال خبرة يومية، ومن الثقافة ممارسة حية، ومن النقد طريقًا إلى الإصلاح.
فكما لا تُقاس خصوبة الحقول بما اقتُلع منها من آفات فحسب، بل بما أثمرت عنه من حياة، لا تُقاس قيمة الثقافة بقدرتها على مقاومة القبح وحده، بل بما تنتجه من جمال، وما تبنيه من وعي، وما تقدمه للإنسان في سبيل عمارة الأرض.