9
0
68
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13502
0
13349
0
12186
0
12126
0
9545
0
عبد الملك بن عواض الخديدي*
خرج ملهم القرية ذات مساء، في منتصف الشهر ونظر إلى السماء، تأمل خارطة القمر المستديرة، وكأنه عاشقٌ يرسل أشواقه عبر ذلك الضوء الباهر المطل على طرفٍ آخر، إلى ناحية من تلك النواحي الموسومة بطبيعتها الفاتنة، قرية أخرى حالمة تتوسط السهل الغربي تسكنها ملهمة تدور حولها أساطير الجمال، كل يدعي نجواها، أكثرهم يهرب من أحماله الأخرى كرفيق الملهم القادم.
خرج ملهماً وليس عرافاً يحث خطاه فوق خارطة الرمل، أخذت جرته ترسم معالم قدمه قبل أن تدفنها الرياح الموسمية التي يعقبها مطر الشتاء.
في طريقه وجد رجلاً شارد الذهن يتمتم بأغنيات المساء (كمثل طرق الجبل) لم يتأثر لحضور القمر أو غيابه ولم تستهوه رياح المطر، ولم يتنبه لمن ألقى عليه التحية مستنكراً وجوده.
تأمل وجهه فظنه عرافاً، وهو لا يؤمن بحكمة العرافين ولا يصدقهم، فهم مدعاة للشقاء، توجس منه خيفةً، لكن عزاءه أنه لم يأت إليه بل هو من حضر بعرافته وهيئته إليه.
كان الرجل مشتغلاً عن القمر وأشعته الهادئة بهواجسه وبجيب ثوبه الممتلئ بأوراقٍ مكدسةٍ أرهقت حاملها.
رآه الملهم مشدوهاً مذهولاً فاستهله بنظرة ماكرة، قرأ ملامح وجهه وسبر أغوار أوراق جيبه دون أن يقرأها، يعلم تماماً بأن ما دوِّن في تلك الأوراق إنما يعكس ملامحه ونظراته الشاحبة وأنامله المرتجفة.
سأله لم أنت هنا تسامر الحصى وتستدعي النجوم وتغني لحن الربابة القديم؟!
تردد الرجل البائس في الإجابة ثم أخرج أحد الأوراق وقال له بمثل هذه نسامر النجوم ونحرس الليل حتى ينتهي.
قال له: أعدها لجيبك العامر بالأسى ودعها مع أخواتها فقد عرفت ما فيها وفهمته من نظراتك وشرودك، إنما هو سؤال الاستنكار وعلامة التعجب.
أخبره حامل الأوراق أن علامة التعجب ليس لها محل من الإعراب عنده لكنها قد تفسر المعنى وأنه أعلم بالنحو من النحاة.
ثم تجرأ مسامر الليل وقال لقد احترفت القافية وصنعت الوتر ورفعت الصوت وحذفت الخبر وقيدت المبتدأ ورفعت الفاعل بينما عجزت عن إعراب هذه الأوراق اللعينة فهي تطاردني بأرقامها ومعادلاتها، ولقد أجبرني الزمن على وضعها في هذا الجيب الضيق أغفو بها وأصحو عليها، أخرج بها إلى قارعة الطريق وأعود بها حين يتملكني الشرود.
تحرك الملهم وهز عصا الدهشة: كيف يغادرك الهدوء وتهجرك السعادة ويشردك الدائن وأنت تعيش في هذه المزرعة الوارفة الظلال العاطرة الأزهار الماتعة الأثمار الغزيرة الآبار التي لا مكان فيها للكسل والخمول.
تغيرت ملامح حامل الأوراق وعازف الربابة ومحترف القوافي فقال: لا تهز عصاك أيها العراف في وجهي فأوراق الفواتير البيضاء تختلف عن أوراق الأشجار الخضراء.
افترقا وكل منهما يأمل أن لا يلتقي الآخر مرةً أخرى.
*كاتب من السعودية
تويتر: @abalwled