حمزة

سلوى الأنصاري

حمزة ذلك الشاب الذي لم تتعدَ صفحات حياته خمسًا وثلاثين صفحة، بوجه دائري وملامح حجازية وسحنة تكسوها الطفولة ويطوقها الخوف مع السكينة، تناقض في ذات الملامح وتآلف غريب، وبين النقيضين يهطل من جبينه المطر من شدة الحر ورمضاء حارة السهر وكأنه يعاني من وعثاء السفر، عيناه ناعستان مكتحلة بالألم، ويداه مخضبتان بالدمع، ومشاعر من الخجل وكأنه قادم من مدينة البؤس أو مدينة الوجل، أشعث أغبر ولكنه اتسم بالجمال والبشاشة، كان متناقضًا، متآلفًا ومختلفاً عن الجميع، ويعرفه كل أهل الحي، تميز بثوبه الأبيض المائل كثيرًا للاصفرار وغالبًا ما كان يلوثه بذلك الآيس كريم الأحمر الذي كانت البائعة أم أيمن تناوله له بكل حب وهي مبتسمة وتتلألأ عيناها بالدموع في كل مرة، وتنزل من عينيها دمعة تجري في أخاديد حفرها الزمن على وجنتيها وهي تقول في كل مرة: لا عليك يا ابن جارتي العزيزة، كانت أمك أطيب نساء الحي، لتكن سعيدًا دائمًا يا بني.

دائمًا ما كان حمزة ينشر البهجة أينما حل وأينما ارتحل، ويرشقه الأطفال بالحجارة كل ما مر بهم وهم يرددون: حمزة المجنون حمزة المجنون، كان يغلق أذنيه بإصبعيه السبابتين أحيانًا ويستغشي بثوبه الأبيض أحيانًا أخرى، بالرغم من ذلك كان يحمل بداخل صدره الرحب قلبًا أخضر يحب الحياة، عاش بذلك القلب طول حياته، ويشهد على صفائه أهل الحي جميعًا، ولم يعلم أن ذلك القلب الذي كان يرويه ويعيش به ويغرس بداخله الورد والريحان سيذبل وسيعيش معه على سرير أشد بياضًا من ثوبه الأبيض.

عاش في كل بيت، وزرع البسمة على كل وجنة، يحكي قصصًا عاشها في طفولته بكل براءة، ويترنم بأهازيج قديمة وأغاني كان يستمع إليها من راديو العم ميمون صاحب البقالة الذي طالما دافع عنه وقدم له تلك الحلوى التي يحبها، ولكن عندما رحل رحل وحيدًا مع قلبه الأخضر في غرفة كان رقمها خمسًا وثلاثين وهو ينظر إلى خمس وثلاثين نجمة يعدها كل يوم، ثم يركض هاربًا من خمسة وثلاثين طفلًا يرشقونه بالحجارة، عاش حياةً مليئة بالأحداث، على الرغم من ذلك مات وحيدًا مجردًا من كل تلك الأحداث، ولم يبقَ منها سوى قلبه الأخضر وأغانيه وترانيم كان يتلوها ليلًا ونهارًا على أهل ذلك الحي الصغير تحت رواشين المنازل التي كانت الفتيات الصغيرات ينظرن إليه منها فيُدخل الفرح والسرور على قلوبهنّ وقلوب المارة، ويدخل الحزن على قلب أم أيمن ومن كان على شاكلتها.

مات حمزة ولكن أهل الحي ما زالوا يذكرون ابتسامته وكلماته وقصصه التي يرويها، مات حمزة وكبر الأطفال الذين كانوا يرشقونه بالحجارة وما زالوا يذكرونه ويرددون أغنياته ويقولون رحم الله حمزة، مات حمزة وقد زرع في قلوب أهل الحي أرضًا معشوشبة تنمو أزهارها وأوراقها بداخلهم كل يوم وتغرد طيورها في سماءٍ كانت تظل حمزة، مات حمزة وما زال أهل الحي يذكرونه. حمزة وأهل ذلك الحي كانوا مثالًا حيًا.

وها هو حمزة وأهل الحي يجسدون لنا كيف كان اهل الحي بيتًا واحدًا، جميع النساء أمهات لأبناء الحي، وجميع الرجال آباء لأبناء الحي، وكل أبناء الحي ما هم إلا إخوة يحب بعضهم بعضًا، قال عليه الصلاة والسلام: “مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم، وتَرَاحُمِهِم، وتعاطُفِهِمْ. مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى” أخرجه البخاري.

 هكذا كان الحي الذي يسكنه حمزة وجميع الأحياء المجاورة يجمعهم الحب والوفاء والإخاء.

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

يسعدني رأيك

%d مدونون معجبون بهذه: