483
0
7
0
536
0
573
0
443
0
5
0
9
0
7
0
9
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13543
0
13387
0
12223
0
12141
0
9579
0

فتحية علي*
في تمام الساعة الثانية عشرة، بعد منتصف الليل، جلست أمام مرآتي المثبتة على درج ملابسي ذي اللون الأبيض البراق.
أنظر إلى وجهي بكل تمعن، أغوص في ملامحه، أتعمق في القسمات.
أدقق في التفاصيل.. البشرة، اللون.. الأنف… الشفتين.. الجبين.. الخدين.
أخيرًا..
أعود إلى حيث بدأت إلى عيني اللتين ما تلبثان أن تتحولا إلى كتيبة حربية مشحوذة بهمة عالية، وروح مستعدة للنضال لتنفذ مهمتها التي كلفت بها في البحث عن أحد الهاربين.. الفارين من حكم قد صدر بحقه لارتكابه جريمة شنيعة قد أودت بحياة أحد الأبرياء، أو ربما بحياة أحد الطغاة فقلما يقتل أحد دون أن يكون قد اقترف ما يدفع غيره لقتله حتى “يريح ويستريح“.
ولكن سرعان ما تعود هذه الكتيبة إلى مركزها خاوية الوفاض لعجزها عن العثور على ضالتها المنشودة.
“السعادة“..
هكذا يمضي بي الوقت، وأنا قابعة على سفينة البحث دائمة الانجراف في بحر سريع الجريان، ثائر الأمواج، تتهاوى قطراته على منحدر الزمن، لتتحطم بكل قسوة على صخرة دقات ساعة الحائط التي أحسبها كسجانة تقف على رأس إحدى سجيناتها وقت الزيارة، تحسب لي كم استغرقت من وقت وأنا واقفة أمام المرآة.
تنظر إليَّ تارة بعين الشفقة والرحمة، وتارة أخرى بالنهر والزجر.
لأنها ترى ألا جدوى من هذا الجلوس المتكرر الموجع العقيم الذي أعود بعده إلى زنزانتي عالمي الواقعي الغريب الذي يتصور على كل جزء من وجهي.
ويتجلى بين مساماته المبعثرة على سطحه كأنه حبات رمل مذراة على جبين الأرض.
مرآتي تؤثر الموت على بقائها جامدة هكذا أمامي، وأنا أنظر من خلالها على كل عالمي وأعيشه بشكل أكثر بؤسًا وتعاسة.
ترجو كل من يمر أمامها أن يحطمها، أن يخلصها من هذا العذاب اليومي.
إلا أنه لا يولي صرخاتها المكبوتة المتتالية الراجية أي عناية.
ويشيح بوجهه عنها تاركًا إياها في معاناتها غير المنتهية؛ لأن السبب الرئيسي لمعاناتها
“أنا”
لم ينته بعد..
هي ترى في تحطيمها بالرغم من قساوته وألمه خير وسيلة، بل حلًا ناجحًا لنجاتها من مرارها السرمدي الذي تتذوقه في كل مرة تجدني أنظر فيها إليها.
وتموت آلاف المرات باستمراري في ذلك، حتى أنه يخيل لي أنها لو استطاعت أن تفتك بنفسها بأية وسيلة لفعلت؟!
هذه حال مرآتي، ساعة حائطي، دقائق عمري، وكل ما حولي…
أراهم يذبلون.. يذوون.. يموتون.. شيئًا فشيئًا.
تتبخر لحظات حياتهم القاسية المرهونة بي دون أن يشعروا بطعم لها، بالرغم من هدوئها وسكنيتها وطولها وامتدادها حتى الأفق.
ذلك الأفق الجميل الذي تمتزج فيه ألوان الشفق الفائقة الروعة لحظة الغروب…
بطريقة جميلة ساحرة تفتن عين كل من ينظر إليها.. وتسلب عقل كل متأمل لها.. وتلهب قلب كل عاشق محب لأجمل طيوفها.. وتوقض فيمن يشاهدها كل معنى للرومانسية الحالمة.
كلما زارتني ذكرى من أحب، وأحاديث من أهوى؛ أمعنت النظر في هذا المنظر الرباني المتوسط بين لونين.. لوقتين مختلفين.. متضادين.
الليل والنهار، النور والظلام، الأبيض والأسود…
وما أن تبدأ لحظات طغيان ليل ذلك اليوم على نهاره، وطرد ظلامه لإشعاعات نوره، وسيطرة سواده على كل أثر لبياضه…
حتى تعم الهموم دنياي، وتكسوا الأحزان أنحاء وجهي.. وتخيم الغيوم القاتمة على رأسي، وتهزم الدموع الغزيرة جبل كبريائي.
حينها وبكل هدوء أحتضن ذاتي.. أربت على كتفي.
أسرد على مسامع قلبي ابتهالات الرجاء والأمل..
وأتوغل بعدها خلسة “كمن تتوغل بإحدى الغابات الكثيفة المظلمة“.
في عالم البكاء المريح المجنون..
أعود منه وبرفقتي نشيج الروح، وقطعة قماش بيضاء مبتلة.
أضمها بين أصابع يدي اليمنى.. وأمسح بها على وجه مرآتي الشاحب!
* كاتبة من السعودية