3518
0
140
0
1
0
769
0
612
0
1
0
2
0
1
0
1
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13533
0
13379
0
12214
0
12138
0
9570
0

الكاتبة: حصة بنت عبد العزيز*
في البدء كانت الحكاية… تلك الهمسة الأولى التي عبرت الأزمنة، وتناقلتها الأمهات على حواف المساء، لتستقر في وجدان الطفل كأول نافذة يطل منها على العالم.
لم تكن الحكاية مجرد تسلية عابرة، بل كانت — ولا تزال — وعاءً معرفياً حيّاً، ومرآةً للقيم وجسراً دافئاً يصل الطفل بذاته وبالآخرين.
إن أدب الطفل، في جوهره، ليس ترفاً ثقافياً ولا نشاطاً هامشياً، بل هو أحد أهم روافد التكوين الإنساني؛ ففي حضن القصة تتشكل اللغة، وتُبنى ملامح الخيال، وتترسخ البذور الأولى للوعي. الطفل لا يقرأ الحكاية بعينيه فحسب، بل يعيشها بكامل حواسه؛ يتماهى مع أبطالها، يشاطرهم مخاوفهم، ويحلم أحلامهم، ويستبطن قيمهم دون تلقين مباشر.
ولعل ما يمنح الحكاية هذه القوة التأثيرية هو طبيعتها الرمزية؛ فهي لا تقدم المعاني في صورتها المجردة، بل تغلفها بالدهشة والمتعة، فالصدق يتجسد في شخصية، والشجاعة تتبدى في مغامرة والخير يغدو طريقاً محفوفاً بالتحديات، هكذا يتحول التعلم إلى تجربة شعورية عميقة، لا مجرد معلومة عابرة.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم: أي حكايات نقدم لأطفالنا؟ وهل ما يُكتب لهم يليق بعالمهم الداخلي، أم أنه يخضع — في كثير من الأحيان — لاعتبارات السوق ومنطق الاستهلاك السريع؟
لقد شهد أدب الطفل في السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً من حيث الكم، إلا أن هذا التوسع لا يوازيه دائماً عمق في المضمون أو وعي في الطرح، فبعض النصوص تُبنى على قوالب جاهزة وتُكتب بلغة سطحية، أو تُحمَّل رسائل مباشرة تفقد الحكاية سحرها، في المقابل، تبرز أعمال أخرى تدرك أن الطفل قارئ ذكي، يمتلك حساسية عالية تجاه الجمال والصدق، فتخاطبه بلغة رشيقة، وصور مبتكرة، وأفكار تحترم عقله ووجدانه.
إن الكتابة للطفل ليست تبسيطاً للفكرة بقدر ما هي تعميق لها بأسلوب شفاف؛ فهي فنّ الموازنة بين الخيال والواقع، وبين المتعة والمعرفة، وبين الحرية والتوجيه، وهي أيضاً مسؤولية أخلاقية وثقافية؛ لأن ما يُزرع في الطفولة ينمو في الكهولة.
ولا يمكن الحديث عن أدب الطفل دون التوقف عند دور الأسرة والمؤسسات التعليمية، فالحكاية مهما بلغت جودتها، تحتاج إلى من يقدّمها بحب، ويمنحها وقتاً ومساحة في حياة الطفل.
إن لحظة القراءة المشتركة بين الطفل ووالديه ليست مجرد نشاط، بل فعل حميمي يعزز الروابط ويمنح الطفل شعوراً بالأمان والانتماء.
كما أن المدرسة مطالبة بأن تعيد الاعتبار للحكاية، لا بوصفها مادة تعليمية فحسب، بل كأداة لبناء الإنسان، فحين يُتاح للطفل أن يقرأ بحرية، ويعبّر عن فهمه، ويناقش ما يقرأ، فإنه يتعلم التفكير لا الحفظ، ويكتشف ذاته بدلاً من تكرار غيره.
في حضن الحكاية، ينمو الطفل وهو ينسج عالمه الخاص من الكلمات؛ عالمٌ قد يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه عميق في أثره، فكل قصة تُروى، وكل كتاب يُفتح، هو لبنة في بناء إنسان الغد.
لذلك، فإن الاستثمار الحقيقي في المستقبل لا يقتصر على التكنولوجيا والمعارف الصلبة، بل يكمن في تلك اللحظات الهادئة التي يجلس فيها طفلٌ مع كتاب، ليبدأ — دون أن يدري — في تشكيل ملامح روحه.
هكذا كانت وما زالت وستظل الحكاية… حضناً أول، وبيتاً دائماً، وذاكرة لا تغادر.
كاتبة سعودية
7aerh_4