584
0
856
0
1167
0
174
0
859
0
10
0
5
0
6
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13666
0
13514
0
12341
0
12194
0
9661
0

أريج باجابر*
كرهي للمدينة قديم، وكرهي لها تفاقم منذ اليوم الذي انتزعني أخي من عمر العاشرة -العمر الذي تفتحت فيه أحلامي وبزغت ضحكاتي من بين شجرة الأرز- إلى عمر الأربعين.
كل ما بينهما من سنين كان يُشبه السجن الرمادي، أقصد: الذي أبصره أنا رمادي؛ السجن الضيق الذي ينمو ويتطور بأشكاله المختلفة الملونة.
الأعمدة الخرسانية تتكاثر من حولي، وتتطاول مع مرور السنين، وهي التي أحاطت بروحي وقلبي كسجن.
أما قريتي، فلقد كانت موطني وأمي، لم أعرف أمًا غيرها. تجسدت لي صورتها في شجرة الأرز الواقفة قرب دارنا، وكم كانت تشعر بي، وتتلمس خوفي وفرحي وحزني وتعبي، فتنزل إليَّ دائمًا بظلالها لتحتضنني. أصعد الأرجوحة التي تحملها على يدها من أجلي، فأشعر أني طفلتها الوحيدة. أغمض عيني وأتأرجح بهدوء، أسمع تهويدتها التي تنطلق من بين أغصانها، فآمن وأهدأ. أعانقها كل صباح، أصغي لنبضها، وأشعر بجذعها حين يهتز لي، وكأن روحي امتزجت بها. أتلمس ملامحها، وأمرر أصابعي فوقها، وأحفظها في ذاكرة كفي.
وجدتُ تحتها عالمي الصغير الدافئ، وبين أغصانها وتشابكها، الذي يشكل مظلة أو سقفًا، شعرت بالانتماء لهذه الأرض، فأبحرت جذوري في عمقها. كنت أقضي معظم أوقات يومي قربها، لا أفارقها إلا عندما يحملني أخي إلى داخل الدار بعد أن يغلبني النوم. اتخذتُ من محيطها سكنًا وسكونًا لي ولقلبي. كنت أدعو صديقاتي للعب تحت رعايتها، وأستذكر دروسي تحت أنظارها، وكم شعرت بفخرها بي عندما استطعت أن أقرأ على مسامعها قصة كاملة.
كنتُ كل مساء أستند عليها، أتأمل دارنا وبناءه المذهل؛ حجارته المرصوفة بإتقان، تحيط به أُصص الأزهار من كل اتجاه ومن كل نوع، يبدو كعرس من الألوان. أصعد ببصري إلى الأعلى، حيث القرميد الأحمر يزين السقف ويعطي دارنا دفئًا، كأن الشفق يعطيه شيئًا من معاني جماله الآخاذ. أنزل ببصري قليلًا، أتأمل باب الدار الخشبي العتيق، الذي يضم رائحة كل من كان يسكن في الداخل، يحيط به اللبلاب متسلقًا، قاصدًا أن يحميه من آثار مرور الزمن عليه. أذهب إلى النوافذ الكبيرة، أتأملها برضا، فمن حق الدار أن تحظى بنوافذ كبيرة واسعة تطل على القرية، ومن خلالها تسلم عليها القرية كلما وجدت فرصة مواتية لذلك.
سماء القرية النقية الشاسعة، التي تكاد تبصر من خلالها روحك، لم تكن كسماء المدينة الغارقة في سموم البشر، الضيقة المحفوفة بالمباني الباهتة.
شمسها الذهبية، التي كلما قبَّلت نوافذنا ضحكت فرحًا بقدومها، وسمحت لها بالمرور إلى داخل الدار، لم تكن كشمس المدينة الباهتة، المخبأة خلف تعب الوجوه، ويأس الخطى، وكثافة المباني التي تتحدى بعضها في الضخامة والتطاول.
نسائمها، التي ما إن تزورنا حتى يرقص كل ما في المكان فرحًا وترحيبًا بها، حتى ثياب أمي التي كنت كل أسبوع أنشرها على حبل الغسيل في ساحة دارنا، لئلا تشعر بالوحدة، كانت تطرب بالنسائم، فأجلس بقربها، أغني وأحل ظفائري للنسائم، علَّني أحتفظ برائحتها بين خصلاتي، ولعلها تنفض ذبولًا ألمَّ بها. لم تكن نسائم القرية كنسائم المدينة التائهة، المخنوقة وسط الحواجز.
هدوءها روحٌ تجوب الدور، ترش السكينة في قلوب ساكنيها. لم يكن للمدينة، في أصل تركيبتها، هدوء؛ هي دائمًا ثائرة، ومعاركها لا تتوقف.
في الحقيقة، لم يكن هذا ذنب أخي، لكن ما حدث لنا بعد وفاة أبي وأمي، اللذين لم أرهما… فأبي فارقنا وعمري شهران وأنا في رحم أمي، وأمي، حزنًا على أبي، غادرت قبل أن أبصر نور وجهها بعد ولادتي بسويعات. أقول إن رحيلهما جعل الأرض من تحت أخي تهتز، وكأن قدوم أبناء عمي، مطالبين بالأرض والدار، هو القشة التي قصمت ظهر البعير.
فبعد أن أصيب عمي بالخرف، عمي الذي وهب الأرض والدار لأبي، أصبح أبناؤه يترددون على أخي. ولأن أخي قد ضاق ذرعًا بهم، وبحياة القرية، قرر أن يرحل إلى المدينة طلبًا للرزق والحياة الطيبة.
هل أقول إنه أخذني معه، أم أقول إنه انتزعني؟
انتزعني أخي منها، لكن بقيت جذوري متمسكة بكل ما تملك الطفولة من قوة بجذورها، ورغم مرور السنين ظلت تتوغل بي، وكلما نظرت في مرآتي رأيت آثار الفقد تحفر في صورتي دون توقف.
تكفل أخي بي وبتعليمي إلى أن أصبحت معلمة في إحدى مدارس المدينة، ورغم نجاحاتي المتتالية لم يحرك مكوثي الطويل في المدينة شيئًا في قلبي، ولم تستقر روحي. كنت أشعر أني مسافرة غريبة وضعت رحالها في مكان ما اضطرارًا، وستعود يومًا إلى موطنها الأم، إلى أصلها وجذورها.
لم أتوقف عن ترديد جملة درويش: “وسأعود مهما اجتاح جنون الواقع حنيني، ففي النفس جنون مضاد.”
لم تستطع المدينة أن تتوغل بي، كما لم أفعل. كنت أضع أسوارًا ومسافات بيني وبينها خوفًا من أن تتهيكل طبائعي بطينتها الموحلة بالتخلي، المعجونة بالخيانات والأنانية والوحشة.
منعني أخي من الذهاب إلى القرية، ومنعني من زيارتها أو حتى الحلم بها؛ لأنه يعلم أنه ما إن تطأ قدمي ترابها، أو ما إن تلامس نسائمها روحي، سأرفض المغادرة، وأتشبث بها مثل ناجية من غرق محتَّم.
لكن لم يكن يعلم أن للقرية ذاكرة لا تنسى من يعتمر ذكراها فوق قلبه، كعمامة شيخ صوفي يضعها عليه أينما ذهب، ولا تترك من أخلص لها؛ تراوده عن نفسها في كل نظرة ينظر بها بعيدًا إلى الأفق، وفي كل غفوة أو إطباقة جفن.
في سن الأربعين اشتد وتفاقم بي الحنين، وصار الحنين مرضي المزمن، إلى حد أني بتُّ طريحة الفراش.
وفي إحدى الصباحات ظننت أن قلبي سيهوي في قاع مظلم لا رجوع منه، كان يشدني إليه كما يشد صيادٌ منتشيًا غنيمته.
قمت من فراشي، وتحولت إلى مشاءة في ذلك اليوم بغير هدى، مشيت لساعات.
ثم ذهبت إلى البحر قليلًا.
غسلت قدمي وتعبي، وفجأة سمعت نداءً كثيفًا يتصاعد من بين الأمواج:
(عودي إلى حيث تنتمين، يكفيك ما كابدتِ من ألم الفقد والحنين، حان وقت شد رحالك.)
عدت إلى غرفتي ركضًا، وقد اتخذت قراري، حزمت أمتعتي، وكتبت رسالة لأخي، وغادرت.
وصلت القرية، كانت كما تركتها؛ خالدة، ثابتة على الأرض، متجذرة في الروح. هرعت إلى حيث دارنا، وجدت شجرتي الأم، عانقتها، وبكيت سنين الحنين ولوعة الفقد.
وإذا بامرأة مسنة تفتح الباب وتتقدم نحوي متوجسة، وعندما تأملت ملامحها عرفتها.
كانت زوجة عمي، تركها أبناؤها.
أبناء المدينة الموبوءة بداء التخلي هجروها، ولم يسألوا عنها.
• رفضت الذهاب معهم، فعاقبوني بالتخلي.
عانقتها وتمتمت: ليتني رفضت.
عدت إلى طفولتي، وبدأت من سن العاشرة لأكمل وأعوض كل ما فاتني.
أعادت لي الحياة هنا ملامحي الضائعة مني، وتكفلت الصباحات بمد جذوري أكثر وأكثر، إلى أن بدأت أغصاني تتفرع، وتورق، وتزهر، وأثمرت. وحين سقطت تفاحة مني على الأرض شعرت بابنة أخي توقظني.
فتحت عيني لأجد أني لم أبرح مكاني بعد عودتي من البحر.
هل كان كل ذلك حلمًا؟
لكني شممت رائحة القرية، وعانقت شجرتي الأم، وتجولت في دارنا، واحتضنت صورنا، ونمت وصحوت، ورأيت انبثاق الفجر والربيع، ورأيت العشب وهو ينمو، وتتفجر من بينه الأزهار جذلى. رأيتني وأنا أتحول ببطء إلى شجرة.
هل كان كل ذلك حلمًا؟
كنت أبكي، وأقص على أخي الحلم.
كان يربت على كتفي، ويمسح على رأسي، ويعيد على مسامعي:
سامحيني يا أختي، لو كان بيدي لبنيت لك دارًا هناك، ولأخذتك بنفسي لتعيشي بسلام، وتطفئين نار حنينك المشتعلة التي أكلت صحتك ونورك. لكن الحقيقة التي كنت أخفيها عنك، يا عزيزتي، أن قريتنا لم تعد كما كانت. شاءت الأقدار أن يهجر كل من في القرية، بعد رحيلنا بزمن، وأن تبقى القرية خاوية، وحيدة، عابسة الوجه…
يزحف التمدن نحوها ببطء، ويعذبها…
هل كنت أعرف هذه الحقيقة وأرفضها؟
لماذا شعرت أن قلبي سقط من مكان عالٍ وارتطم حين أخبرني أخي بذلك؟
هل يقتلني هذا الحنين إلى جذوري، إلى طفولتي، وداري؟
*كاتبة من اليمن