الأكثر مشاهدة

سكون عبد العزيز* رغم وجود فلاسفة لا يؤمنون بقدرة الطفل على التفلسف، فإن آخرين رأ …

حين يسأل الطفل… تبدأ الفلسفة

منذ 11 ساعة

9

0

سكون الروح الهادئ

سكون عبد العزيز*

رغم وجود فلاسفة لا يؤمنون بقدرة الطفل على التفلسف، فإن آخرين رأوا في الطفل فيلسوفًا بطبعه؛ إذ يمكن أن يبدأ التفلسف منذ السنوات الأولى من حياته، حيث يولد الطفل وفي داخله شغف بالدهشة، والتأمل، والسؤال، واكتشاف ما وراء الأشياء.

وقد كثرت الإصدارات والتجارب والدعوات في أنحاء مختلفة من العالم، منادية بحق الطفل في الفلسفة، وبحقه في أن يسأل ويتأمل ويشك ويبحث عن المعنى. وهنا يبرز سؤال مهم: ما الذي يجعل الطفل بحاجة إلى الفلسفة؟ وهل إدخاله إلى عالمها يمكن أن ينتقص من براءة الطفولة، أو يؤثر في نموه النفسي والعقلي؟

ربما يحتمل الأمر الوجهين؛ فهناك من يرى إمكان إقحام الطفل في عالم الفلسفة، انطلاقًا من طبيعته الفضولية، وخياله الواسع، وجرأته في طرح الأسئلة، بينما يرى آخرون أن الفلسفة تحتاج إلى قدر من النضج واكتمال الأدوات العقلية.

ويقول الفيلسوف ياسبرز: «عادة ما يكون للأطفال نوع من العبقرية التي تضيع عندما يصبحون كبارًا»، ولعل هذه العبارة تضيء جانبًا مهمًا مـن طبيعة الطفل؛ فهو يـولد بـذات مبدعة، وعقل شجاع، وخيال لا تقف أمامه حدود المألوف، وقادر على أن يذهب بأسئلته إلى مساحات بعيدة.

غير أن هذا الاتساع قد يبدأ في الانكماش حين تتدخل التنشئة الاجتماعية بقوالبها الجاهزة؛ فيُطلب من الطفل أحيانًا أن يتلقى الإجابات أكثر مما يُمنح فرصة البحث عنها، وأن يكرر ما قيل له بـدل أن يختبر السؤال بنفسه، ومـع مرور الوقت، قد يجد نفسه أمام نماذج من الأجوبة الموروثة التي تُفرض عليه بالترغيب أو الترهيب، فيبدأ تراجع تلك المساحة الحرة التي كان يتحرك فيها خياله، ويخفت شيء من جرأته الأولى على التساؤل.

فالطفل في بداياته لا يتعامل مع العالم بوصفه مجموعة من الحقائق النهائية، بل يراه مساحة مفتوحة للاكتشاف، يسأل عن الأشياء التي تبدو للكبار بديهية، ويعيد السؤال بأشكال مختلفة، لا لأنه يرفض الإجابة، وإنما لأنه يحاول أن يبني فهمه الخاص للعالم.

ومن هنا تبدو الحاجة إلى إعادة النظر في بعض الأساليب التي تتعامل مع أسئلة الطفل داخل الأسرة والمدرسة والإعلام؛ ليس بهدف إغراقه في المصطلحات الفلسفية، وإنما بمنحه مساحة آمنة للتفكير والحوار، بدلًا من تعليبه في قوالب جاهزة، فالطفل أوسع إمكانًا من أن يُختزل في إجابة واحدة، وأكثر قدرة على تجاوز المألوف حين يجد من يصغي إلى سؤاله ويحترم فضوله.

إن التربية التي تقوم على القمع والقهر، أو على تقديم الحقيقة باعتبارها أمرًا مغلقًا لا يحتمل السؤال، قد تضيق بهذا الأفق، أما الحوار، وفتح الاحتمالات، وتشجيع الطفل على التفكير، فتمنحه فرصة لأن يكتشف أن المعرفة ليست دائمًا إجابة جاهزة، وأن السؤال نفسه قد يكون بداية طريق.

وللوالدين دور أساسي في ذلك؛ فالطفل، ولا سيما في مرحلة نموه اللغوي، يمطر من حوله بالأسئلة، قد يأتي السؤال في الـوقت الذي يكون فيه الأب مشغولًا أو متعبًا، أو تكون الأم مـنشغلة بـظروفها، بينما يأـتي الطفل بـسؤاله في هدوء كامل، وكأنه يفتح نافذة جديدة على العالم:

«يا أبي، لماذا السماء زرقاء؟»

وقد يكرر السؤال على أمه، ثم يعود إلى أبيه، وكأن الإجابة لا تكفيه بقدر ما يعنيه أن يجد من يشاركه دهشته.

هـنا لا تكمن أهـمية الـموقـف فـي أن يـمتلك الأب أو الأم الإجـابـة الــفورية دائمًا، وإنـما فـي طريقة التعامل مـع الـسؤال، فالاعتراف بعدم المعرفة ليس عيبًا، بل قد يكون بداية جميلة لاكتشاف مشترك، ويمكن للوالدين أن يقولا للطفل: «لا أعرف، لكن دعنا نبحث معًا»، وبذلك يتحول السؤال من لحظة عابرة إلى تجربة معرفية، ويتحول الوالد من ملقّن للإجابة إلى شريك في رحلة الاكتشاف.

أن يكون الطفل «فيلسوفًا» لا يعني أن نحوله إلى متفلسف صغير، ولا أن نحمّله ما يفوق مرحلته العمرية، وإنما أن نحافظ على تلك الشرارة الأولى التي تدفعه إلى السؤال، وأن نمنحه الوقت والإنصات والمساحة التي تساعده على بناء أفكاره.

فالطفولة لا تحتاج إلى من يطفئ أسئلتها، بل إلى من يصغي إليها؛ لأن السؤال الذي يبدو للكبار بسيطًا، قد يكون في عالم الطفل بداية فكرة، وبداية دهشة، وربما بداية فلسفة.

* كاتبة سعودية
E7sas22badar@

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود