الطفل والسـياسة .. من وجهة نظر أدبية


إبراهيم سند*

الكتابة للأطفال ليسـت كلمات وحروفا مزخرفة،.وليسـت تعبيرات إنشائية منمقة . فالكلمة رسالة وهي قضية ومن ثم هي فـن، فهي رسالة لأنها تحوي مضامين تربوية وأخلاقية، وهي قضية لأنها ملتزمة بالمبادئ والمعايير والقيم.

فن الكتابة هـو قدرتها العجيبة على إعادة صياغة الواقـع في جو سـحري مشـبع بالخيال .

نحن لا نكتشـف سـر الكلمة بالكتابة أو القراءة، ولا أحـد يدعي ذلك فآذاننا كانت تستقبل الكلمات والمعاني والعبر عبر الحكايات والطرائف والألغاز والأغاني . الدنيا بالنسبة للصغار عـبارة عـن قصة طويلة محبوكة عـلى شـكل قصص صـغيرة تصغر وتصغر كلما اقتربنا من نقطة المركز، ونحن عـندما نغدو كبارًا لا ننسى الليالي والأيام البهيجة ولا ننسى اللحظات المؤلمة ولا الثواني المكدرة للنفس، بل كلها تظل حبيسة في الأعماق إلى أن يأتي الوقت المناسـب لتظهر هـذه المخزونات عـلى أي شـكل من الأشـكال حسـية أو روحية، وإذا كنا ندرك ما هو الشـكل الحسى المادي، فإن الجانب الروحي هو ما نعبر عـنه بالكلمة .

والإنسان في حاجة ماسـة إلى الغذاء والماء لكي يعييش، ولكنه في حاجة ملحة إلى الكلمة التي تعطيه معنى لهذه الحياة .

ولا يكون الطفل صحيح الجسـم والنفس والبدن عـندما لا يتغذى بشـكل جيد، بل هو في حاجة أيضًا إلى مـن يهمس في أذنيه ويغـذي مشاعره بكلمات مؤثرة وجميلة . فالطفل إنسان صـغير نسـيج من الدهشة والرغبة في معرفة أسـرار ورموز هـذا العالم، لكن هـذا العالم الذي نتحدث عـنه .. ما هي طبيعته ؟ وما هي ميزاته ؟ هل عالم الصغار هو غير العالم الذي يعيشه الكبار ؟ يقال في أحيان كثيرة : إن صعوبة الكتابة للأطفال تكمن في عـدم قدرة الكاتب عـلى فهم عالم الأطفال، أو عـدم قـدرته عـلى نسيان عـالمه، لأننا نحن الكبار نكتب مـن وحي تخطيطنا وتفكيرنا وتصويرنا ونظرتنا إلى الدنيا .

فهل ما يقال نعتبره صـحيحًا ؟ بالتأكيد لا، لأنه ليس المطلوب من الكاتب أن ينسى عالمه بل المطلوب منه أن يغوص بعـيدً افي هـذا العالم لكي يكتشـف الكنوز الثمينة المخبأة في الأعماق.

الطفولة تعتبر من أخصـب المراحل في حياة الإنسان، وكلما كانت ذاكرة المرء نشطة وقادرة عـلى اسـترجاع الصـور والذكريات والمشـاهد القديمة كان أكثر قـدرة عـلى التعبير والتخيل والتصـوير .

لا نريد أن نجرد كاتب الأطفال عـن طفولته وذكرياته، فإن من يدعي ذلك بلا شـك يقع في خطأ جسـيم، ما نريده هـو أن يحسـن الكاتب التعبير ويجيد فـن التوصيل .. ينقل ما في حوزته مـن خبرات وتجارب عامة أو شـخصية بشـكل فني متقن إلى الصـغار.

إن نجاح العمل الأدبي من عـدمه مرهون بمدى قدرته على إيقاظ المشاعر والأحاسيس والتخيلات الذهنية لدى جمهور الصغار.

فعلًا إن الكتابة للأطفال عـمل شـاق، لأنه ليس هـناك مجالٌ للمداهنات والمجاملات. الأطفال يسـتغنون عـن كثير مـن كلمات الإطراء والمـدح، والذي يعجبهم هـو القصة أو العمل الأدبي، وحتى لو قام بالتأليف أقرب الناس إلى قلوبهم، فإن ذلك لا يغـير شـيئًا.

– لماذا الكتابة للأطفال ؟

أحيانا كثيرة لا يعرف المرء الدافع الرئيسي الذي يشـده للكتابة، لكن بالضرورة هناك أشـياء عميقة تختلج في الذات، وربما تؤرق منامنا، وتجعل من تصالحنا مع الواقع شـيئًا مسـتحيلًا، إلى أن يهتدي المرء إلى شـكل من أشـكال التنفيس، وقد يكون ذلك بمحض الصدفة، حيث يلتقي وجها لوجه مع الورق الأبيض والحروف الملونة، فيكون ذلك التلاقي، الممتع والمتعب في نفس اللحظة.

في عملية الكتابة لا أحـد يسـتطيع أن يقول أريد أن أكون كاتبًا أو أديبًا أو مؤلفًا ليقول كن فيكون، فهذه الآلية محكومة وغير متحكمة. 

هي كما قلت تنبع من الأعماق، بعفوية وتلقائية. وعندما تصل إلى السطح يقع علينا العبء في كيفية توظيف هذه الملكة. ولن ينجح أمر التوظيف إلا من خلال الكاتب المتمرس الذي يغوص بعيدًا في التجربة.

من هذا المنطلق نجد كثيرًا ما يتردد من أن الكتابة للطفل دائمًا مسـيجة بالخطورة والصعوبة لكن الصعوبة لا تكمن في أمر الكتابة ولا الطفولة، بل في مدى اقتناعنا بأهمية هذه الكتابة لهذا القطاع بالذات، بين الكتابة أو عـدمها، لا أحد يجبرك بما هو ليس نابع من ذاتك. فحرية التعبير وفي التوجه، أساسها دواخلنا وأفكارنا ومبادؤنا حيث يترجم ذلك التوجه بشـكل ما من أشـكال التعبيرات الأدبية المختلفة.

فإذا كانت هناك صعوبة، فنحن الذين نصنعها مثلما نصنع أحلامنا اليومية، مهما كانت جميلة أو مفزعة.

نصنع في الوقت ذاته حواجز نفسـية فنتصور أن الكتابة للأطفال آخر شيء يمكن أن يفكر فيه الكاتب، بعد أن يبلغ مرحلة متقدمة من العمر ويشيخ وقد يفعل وربما لا يفعل، واللوم كل اللوم يقع على عاتق هذا المجتمع الذي يفكر بعقلية الكبار، والأطفال لا ينالون إلا نصيبًا متواضعًا وحيزًا صـغيرًا في ذهنية أولئك الكتاب، أما من حيث تعاملي مع الكتابة الطفلية فأنا لا أختلف عن بقية إخواني الكتـَّاب حيث يمور في دواخلنا الهاجس الأكبر، في أن نترك بصمة واضحة المعالم في الساحة الأدبية الطفلية.

– فلسـفة أدب الطفل :

يسـتمد أدب الأطفال فلسـفته ومقوماته من فلسـفة المجتمع، ويتناول قيمًا وتقاليد إجتماعية مناسـبة هي السائدة فيه ، ويقدمها بشـكل يتناسب مـع تفكير الأطفال ومدركاتهم .

وأدب الأطفال من هـذا المنظور لا يختلف عن أدب الكبار في جوهره وأدواته، وإنما يكمن اختلافه في أفكاره وموضوعاته وفي لغته وأساليبه وفي كونه يخص الأطفال ويراعي احتياجاتهم وقـدراتهم ويعتمد أساليبه الخاصة في مخاطبتهم .

– أهم مراحل أدب الأطفال وأشـهر كـُتــَّابه :

لقد مر أدب الأطفال عـبر تاريخه  بأدوار مختلفة ومراحل متعددة قـبل أن يتبلور ويبدو بالصورة التي نعرفها اليوم، حيث تعود جذوره إلى الأساطير والخرافات والحكايات الشـعبية والأغاني والنوادر الفلكلورية .

أما التأليف فقـد ظهر في فترة متأخرة مـن عـمر أدب الأطفال، ظهر في أواخر القرن السـابع عشـر وبداية القرن الثامـن عشـر، حيث رافقها ثورة أدبية في مجال الكتابة للأطفال متأثرة بأفكار ( جان جاك روسـو ) عـن الطفل ومفهوم الطفولة.

أشـهر الكـُتـَّاب العالميين (الأخوان جريم) أصـدرا كتاب (حكايات الأطفال والبيوت) – 1812 – 1814 ، (والدنمركي هانز أندرسون) رائد أدب الأطفال في أوروبا ، ومؤلف (فرخ البط القبيح) – 1846 .

والإنجليزي(لويس كارول) الذي كـتب (أليس في بلاد العجايب) عام 1865 .

وكثير من كبار الكـُتــَّاب العالميين خصـصوا جزءًا من كتاباتهم للأطفال أمثال تولسـتوي – وبوشـكين – وتشـيخوف – وتشارلز ديكنز –  وفيكتور هوغـو – وأوسـكار وايلد وآخرين.

وقـد تبوأت مصـر الريادة في مسـيرة أدب الأطفال، ولعل أبرزهم أحمـد شـوقي، وكامل الكيلاني، ومحمـد العثمان جلال ،ومحمـد الهراوي، وعـبدالتواب يوسـف  الذي وضـع ما يقارب ألف كتاب للأطفال . ومن سـوريا برز سـليمان العيسى، وزكريا تامر وغيرهم.

وفي البحرين لمع اسم عـبدالقادر عقيل رائد الكتابة القصصية، وخلف أحمد خلف ،وإبراهيم بشـمي، وعلي الشـرقاوي ،ويوسـف النشابة وغيرهم لكي لا نظلم الجميع .

أعـود لنقطة البداية التي طرحتها في المقدمة، هل من الضروري أن يكون للكاتب رسالة ؟ ثم ماهي رسالة الكاتب  … هل هي رسالة أدبية أم رسالة سياسية ؟ إلى أي حـد تؤثر السياسة في الأدب ؟  هل الأدب يؤثر في السياسة ام أن السياسة هي التي تؤثر في الأدب ؟

بخصوص رسالة الكاتب يقول المفكر الإيرلندي جورج برناردشـو: ” إن أي مثقف لا تكون له قضية أو رسالة وطنية أو إنسانية لا يعدو أن يكون مهرجًا “، وأنا أتفق مع هـذا الرأي في الشـق الأول من العبارة، وأختلف مع الشق الثاني، فهناك مهمات ووظائف كثيرة يمكن أن يقوم بها الكاتب أشـد خطورة من التهريج.

بالنسبة لعلاقة الأدب بالسياسة، يقول أرسـطو : ” إن المعايير التي تطبق عـلى الشـعر (بوصفه نوع من الأدب) غير التي تطبق عـلى السياسة، وغير التي تطبق على الصائغ الآخر ، وهـو يقر بوجود الإختلاف بين الإثنين على الأقل من الناحية الوظيفية .

حيث يوصف الأدب بأنه فن من الفنون الجميلة هدفه الإرتقاء بالذوق العام ونشـر القيم والأخلاق، وهو أيضًا يعكس مظهرًا من مظاهر الحياة الإجتماعية ووسـيلته في التعبير هي الكلمة .

في حين أن كلمة السـياسة مأخوذة لغويًا من الفعل ” ساس ” ومضارع الفعل “يسوس” ، والسياسة فعل السائس والوالي يسوس الرعية . واصـطلاحًا تعني رعاية شؤون الدولة الداخلية والخارجية، وتعرف إجرائيًا حسب رأي بعض الكتاب بأنها دراسـة السـلطة التي تحدد من يحصل على ماذا ( المصادر المحدودة )  متى وكيف، أي دراسـة تقسـيم الموارد في المجتمع عـن طريق السـلطة، وعرفها الاشتراكيون بأنها دراسـة  العلاقة بين الطبقات، وعرفها الواقعيون بأنها فن الممكن، أي دراسة وتغيير الواقع السياسي موضوعياً ، كذلك تـُعرف السياسة بأنها العلاقة التي تحكم بين الحكام والمحكومين، وكل ما يتعلق بشـؤون السـلطة في المجتمعات الإنسانية .

تقول القصة القديمة : كان هـناك ملك أراد أن يعرف مسـتقبله، فطلب من وزرائه أن يسـتدعوا قارئ كف ، فتم اسـتدعاء أكثر قارئي الكف مهارة وسـأله الملك عـن مسـتقبله .

أخـذ قارئ الكف يد الملك ، وأخـذ يتفحص خطوط يده برهة من الوقت ، ثم قال : “أيها الملك العزيز.. سـوف ترى كل أقربائك وأحبائك يموتون امام عـينيك ، وسوف تبكي عليهم جميعًا ” .

انزعج الملك بشدة، وأمر جنوده بوضـع قارئ الكف في السـجن بسـبب الكلمات التي تلفظ بها، ومـع ذلك لم تفتر رغبة الملك عـن معرفة مسـتقبله، ومرة أخرى طلب مـن وزراءه إحضار قارئ كف يتسـم بالمهارة، وتم اسـتدعاء متخصص مشـهور آخر في قراءة الكف .

ولما حضر الأخير إلى القصر وفحص كف الملك .. قفز من السـعادة ثم قال : ” أيها الملك العظيم .. أفرح .. أحتفل .. وقم بتوزيع الحلوى – إنك سـتحظى بعمرٍ مديد ، وستوف تسـتمتع بكل ملذات الدنيا لوقتٍ أطول من أي شـخصٍ آخر محيط بك ” .

سـعد الملك كثيرًا بهـذه الكلمات، وعـلى الفور أمر بإعطائه مكافأة ثمينة .

رفض قارئ الكف بكل تهذيب قبول أية جائزة أو هـدية مـن الملك، وطلب من الملك أن يـُطلق سـراح والده ( قارئ الكف السابق ) الذي أدخل السـجن، اندهش الملك حين عـلم بهـذا الأمر، وسـأل الملك : كيف يقول والده ذلك الكلام الذي أزعجه كثيرًا بينما هو قال كلامًا لطيفًا أسـعده .

قال قارئ الكف الأبن : كل ما قاله والدي كان صـحيحًا، ولكن طريقته في التعبير هي التي كانت خاطئة، حيث أنه لم يختر الكلمات المناسـبة، لقد قـُلتُ الشـيء نفسـه ولكن بكلمات وأسـلوب مختلف .

إن التواصل الفعال هـو في اختيار الكلمات المناسـبة في التوقيت المناسب واسـتخدامها بالأسلوب المناسـب ،هـذا هو الفرق بين كاتب وآخـر.

والفرق أيضًا بين من يمارس الكتابة الأدبية الإبداعية  ومن يمارس الخطاب السياسي (لنقل عـدد كبير منهم لكي لا نظلم الجميع ) .

الخطاب السـياسـي، سـواءً كان في المدح أو الذم، يسـتخدم المفردات والعبارات بصورة مبالغ فيها، بحيث تخرج عـن اللياقة والسـياق العام، وتقترب من المداهنة والرياء والنفاق في حالة المدح .

أما في الذم فيتم اختيار أشـد الكلمات قسـوة، وأكثر النعوت انحطاطاً وسـخرية، لا أقول ذلك تقليلًا مـن دور السـياسـي وتعظيمًا للأدب، لكن هـذا هـو الواقـع الاجتماعي والسـياسـي المؤلم وبدون رتوش .

– التنشـئة السـياسـية :

التنشـئة الاجتماعية جزء لا يتجزأ من التنشـئة السياسـية، فمن خلالها يتعلم الفرد معنى الحرية والمساواة والعدل والتعاون والإنسانية بمعناها الواسـع، والذي يتطور كلما كبر الفرد في العمر ويزداد عمقًا وجمالًا، إذا ما أحسـنا غـرسها في الطفولة المبكرة .

والتربية السياسـية تنفذ عـن طريق الإثراء بالقيم والمعارف والتاريخ السياسي والجغرافي للمجتمع الذي ينتمون إليه . ومن خلالها يتعرف الطفل عـلى كيانه الشـخصي ودوره الفاعـل في المجتمع بصورة تدريجية تمكنه مـن عـدة مهارات هامة لضمان مواطنة صالحة مسـتمرة مـدى الحياة .

كما ويتعرف الطفل أيضًا عـلى واجباته وحقوقه وكيفية المطالبة بها بطريقة حضارية ناجحة، إذ أن حقوق الطفل لا تنفصل عـن حقوق الإنسان بصورة عامة، والتي من أهمها أن يعيش جميع الناس بكرامة ومن بينهم الأطفال .

– حقوق الطفل :

أهم القيم التي ينبغي الاهتمام وترسـيخها لدى جيل الأطفال والناشـئة :

– التعاون :

وهي القيمة المحورية التي تدفع الطفل نحو التفاعل ومشاركة الآخرين في كافة النواحي الاجتماعية، وفي نفس الوقت تخلصه مـن الأنانية والسـلبية .

– المبادرة :

هـذه القيمة هـي المحرك الرئيسي لوجدان الطفل وعواطفه نحو حب الوطـن والعمل من أجل رفعته وتنميته، كما وتعزز شـعور الطفل بالانتماء من خلال أنشـطة تفاعلية تهـذب سـلوكه الوطني .

– الحـوار :

إن لغة الحوار الجيد هـي الركيزة الأساسية لنجاح العلاقات الإنسانية بين البشـر، وقد تكون أكثر الركائز المفقودة والمهمشة في تعامل الوالدين مـع أبنائهم، وهي من أهم السـمات الإيجابية التي تحتاج إليها الأسـرة والمدرسـة والمجتمع .

– تحمل المسئولية :

هي العمود الفقري للمواطنة والطاقة المحركة للأفراد نحو العمل لتحسـين السلوك والعمل المنتج، وترتبط هـذه القيمة ارتباطاً وثيقًا بالإعتماد على النفس والثقة بالذات.

– الحرية :

من أهم القيم والأكثر تعقيدًا، وهي تـُفهم بعدة طرق متناقضة ومدمرة في نفس الوقت .

المقصود بالحرية هنا هي الحرية الإيجابية وليس الحرية السـلبية، وتنفذ عـن طريق الحوار الإيجابي : حرية مشاركة الآخرين، حرية الحديث، حرية الإختلاف بدون الإساءة للآخرين .

– ونصت اتفاقية حقوق الطفل فيما يتعلق بالتعليم على النقاط التالية :

1 – تنمية شـخصية الطفل ومواهبه وقـدراته العقلية والبدنية إلى أقصى إمكاناتها.

2 – تنمية احترام حقوق الطفل والحريات والمبادئ المكرسة في ميثاق الأمم المتحدة .

3 – تنمية احترام ذوي الطفل وهويته وثقافته ولغته وقيمه الخاصة والقيم الوطنية للبلد الذي يعيش فيه .

4 – إعـداد الطفل لحياة تسـتشعر المسئولية بروح التفاهم والسـلم والتسامح والمساواة .

وبلا شـك إن مراعاة تلك المبادئ في تربية الطفل يهيئه للنضج والتكامل وهي أسس ضرورية لتنشـئة سياسية تتناسب مـع العصر ومتطلباته.

ولا يـُقصد بالتنشـئة السياسية هـو إعـداد وتدريب الطفل للاشتغال بالسياسة مسـتقبلاً، إنما المقصود هـو رفع درجة وعيهم ببعض الأمور التي تدخل ضمن إطار السياسة لقضايا داخلية وخارجية، وتدريبهم عـلى ممارسة آداب الحوار الديمقراطي الواعي واتباع آداب السلوك الاجتماعي المتحضر ورفع درجة وعيهم بالموازنة بين الحقوق والواجبات .

التنشـئة الأدبية للأطفال لا تختلف كثيراً عن التنشـئة السياسـية . فالأدب الخاص بالأطفال يـُعرّف بأنه الكلام الجيد الذي يحدث  في النفوس  تأثيرًا إيجابيًا سواءً كان شـعراً أم نثراً أو تعبيرًا، شـفهيًا أم تحريريًا، ويدخل في هـذا المفهوم القصص والأناشـيد والأشـعار والمسـرحيات وغيرها، وكل خبرة لغوية ممتعة وسـارة لها شـكل فني يمر بها الطفل ويتفاعل معها فتساعده على إرهاف حسـه الفني وترقي بذوقه وتسـاعد على نموه المتكامل وتساهم في بناء شـخصيته وتحديد هويته وتعليمه فن الحياة .

والقاسـم المشـترك بين التنمية السياسية والتربية الأدبية، هـو في هـذه النقطة بالذات هو تعليمهم  فن الحياة، والشـعور بالمتعة والراحة والإستمتاع باللحظات التي يقضيها مع ذاته ومع أسـرته، ومـع زملاءه في المدرسـة وأصـدقاءه في المجتمع .

إن تقبل الطفل لذاته واحترامه للآخرين ومحبة كل الفئات التي تحيط به والشـعور بروح المسئولية وتعليمه مهارة التسامح وقبول الآخرين مهما اختلفت ثقافاتهم وأصولهم العرقية والإجتماعية والسياسية، هي من أهم القيم التي ينبغي أن يتعلمها الصغار لكي يعيشـوا بشـكل حــُر وآمـن  .

هناك الكثير من التجارب الأدبية المندمجة مع السياسة نجحت بامتياز وتفوق مثل الأعمال الأدبية  بالكـُتَّــاب العرب الكبار أمثال نجيب محفوظ، نزار قباني، محمود درويش، وعبدالرحمن منيف وغيرهم، في حين فشـلت الكثير من التجارب التي أقحم الأدب في عالم السياسة فأفسـدت السياسة الخطاب السياسي هـذه التجربة وهي في المهـد .

فالعمل الإبداعي هـو بمثابة طبخة أدبية، حيث يتم مزج العديد من العناصر والمكونات بطريقة مبتكرة وغير معهودة ينتج من خلالها عـملاً إبداعيًا له نكهة في غاية التغرد والجمال .

أخطر المتذوقين لتلك الأعمال هم الأطفال، فإذا لم تعجبهم الطبخة لن تجد أي وسـيلة لإقناعهم، وسـوف ينصرفون عـن الكتاب وأنت في حيرة تضـرب أخماسـًا مـع أسداس .

فعلًا الطفل لا يعرف المجاملة، هـذا هو الناقد الحقيقي الذي نحتاج إليه، وعليه إذا فشـلت الكثير مـن الأعمال الأدبية المخصصة للطفل، فلأنها لم تلامس المشاعر والأحاسيس العميقة في عالم الطفولة . 

عـندها تعرف أن نسـب المقادير للطبخة قـد اختلفت في الزيادة أو النقصان، وعليك ترتيبها مـن جديد، أو الشـروع في إنتاج عـمل جديد آخر .

الخــاتــمة

الطفل ليس في حاجة إلى السياسة بالمفهوم الذي يعرفه الكبار .

1)الطفل يحتاج إلى مجموعة من القواعـد الأخلاقية التي تنظم عـلاقته مع الآخرين على أساس التقدير والإحترام وقبول الآخـر .

2) الطفل في حاجة إلى من يهمس في أذنيه بكلمات تعبر عـن المحبة الخالصة والتقدير العميق لقدراته وإمكانياته الطبيعية .

3) يحتاج إلى بيئة تفاعلية تساهم في نموه العقلي والإدراكي ، وتجعله قادرًا على التمييز بين الخطأ والصواب .

4) وهـو في أمـس الحاجة إلى ثقافة تشـجعه على إبداء الرأي وحسـن الإنصات والإسـتماع وعـدم الإسـتهزاء بآراء الآخـرين .

5) يحتاج إلى تعلم فنون المناقشة والحوار وعـدم التشـبث بالأفكار إذا تبين عـدم صـحتها .

6) وهـو في حاجة إلى من يبعده عما يشـوش فكره مـن معلومات وما هو غـير ملائم لمسـتواه العقلي .

7) أن يعيش في جـو بعيد عـن المشاعر السـلبية والأحاسيس العدوانية كالحقد والإنتقام وإيذاء الآخرين .

8)أخيرًا يحتاج الطفل إلى وجـود نماذج وشـخصيات إبداعية بارزة يقتدي بها، وتكون له بمثابة الحافز المشـجع لبلوغ مستويات متقدمة في المجتمع .

9) ‏إذا تواجدت هذه الأسس الثمانية فلا حاجة للسياسـة ، لأن الطفل سـيكون قادرًا على أن يسـوس نفسـه بنفسه عـندما يشـب ويكبر .

*كاتب متخصص في أدب الطفل _ البحرين

شارك المقال عبر

Share on facebook
Share on twitter
Share on linkedin
Share on whatsapp
Share on telegram

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *