الأكثر مشاهدة

الكاتبة: حصة بنت عبد العزيز* لا تُقاس ثراءات النص الأدبي بما يعلنه من معانٍ فحسب …

المعنى الذي يكتشفه الطفل ولم يكتبه المؤلف

منذ ساعتين

8

0

الكاتبة: حصة بنت عبد العزيز*

لا تُقاس ثراءات النص الأدبي بما يعلنه من معانٍ فحسب، بل بما يوقظه في ذهن الطفل من دلالات لا تأتي في عبارات مباشرة، إنما تتكشف من خلال القراءة والتأمل. فالحكاية التي تخاطب الطفل بصدق لا تكتفي بسرد الأحداث، بل تتيح له أن ينظر إلى ما وراءها، وأن يكتشف في المواقف والتفاصيل معاني تتجاوز ظاهر الكلمات.
فالطفل حين يقرأ، لا يتلقى النص بوصفه مجموعة من الأفكار الجاهزة، بل يتفاعل مع شخصياته وأحداثه، ويحاول فهم دوافعها وما يختبئ خلف تصرفاتها. وقد يدرك معنى العدالة من موقف لم ينصف فيه أحد، أو يستشعر الخوف خلف شخصية تبدو قوية، أو يفهم تردد إحدى الشخصيات بوصفه صراعًا داخليًّا لم يفصح عنه السرد. وهنا تتجلى قدرة الأدب على الإيحاء؛ إذ يصل المعنى إلى القارئ من خلال التجربة الفنية، لا عبر الشرح المباشر.

إن هذه المعاني التي يكتشفها الطفل تمنح القراءة بُعدًا يتجاوز متابعة الحكاية إلى التفكير في دلالاتها. فالطفل الذي يتأمل تصرفات الشخصيات، ويربط بين الأحداث ونتائجها، يبدأ في إدراك أن المواقف الإنسانية أكثر تعقيدًا من صورتها الظاهرة، وأن فهمها يحتاج إلى التأمل والنظر من زوايا مختلفة. بذلك يصبح الأدب مجالًا تتنامى فيه قدرته على الفهم والاستنتاج، وتتسع من خلاله رؤيته للعالم.

من هنا، تبرز أهمية البناء الفني في أدب الطفل؛ فالكاتب ليس مطالبًا بتفسير كل موقف، أو التصريح بكل فكرة، بل إن من جماليات الكتابة أن يترك في النص مساحة يكتشف القارئ من خلالها المعنى بنفسه. غير أن هذا الانفتاح لا يعني الغموض أو الإبهام، بل يتطلب لغة ملائمة لعمر الطفل، وشخصيات مقنعة، وأحداثًا تتيح للمعنى أن يتشكل بوضوح وعمق دون أن يُفرض على القارئ.

كما أن تعدد الدلالات لا يعني أن النص يحتمل كل قراءة، فالمعنى الذي يكتشفه الطفل ينبغي أن يجد ما يسنده في سياق الحكاية وتفاصيلها. وبين حرية التأويل وتماسك النص تتجلى مهارة الكاتب في بناء عمل يحترم عقل الطفل، ويمنحه فرصة التفكير، دون أن يحمّله ما يتجاوز قدرته على الفهم.

ولا يكتمل النظر النقدي إلى أدب الطفل بالوقوف عند الفكرة الرئيسة أو الرسالة التي أراد المؤلف إيصالها، بل يمتد إلى تأمل المعاني التي يتيح النص اكتشافها، والأسئلة التي يثيرها، والآفاق التي يفتحها أمام قارئه. فالنص الناجح ليس ما يقول كل شيء، بل ما يحسن اختيار ما يقوله، ويترك لما وراء الكلمات فرصة لأن يُكتشف.
إن المعنى الذي يكتشفه الطفل ولم يكتبه المؤلف صراحة يكشف عن علاقة عميقة بين الأدب والوعي؛ علاقة لا تقوم على تلقين الأفكار، بل على إيقاظها، ولا تكتفي بتقديم الحكاية، بل تمنح الطفل فرصة لفهم ما وراءها. هكذا تتجاوز القراءة حدود المتعة الآنية إلى تجربة تثري الفكر والوجدان، وتمنح الكلمة الأدبية قدرة على البقاء في وعي الطفل، كلما عاد إليها بعين أكثر نضجًا وفهمًا.

فأجمل ما يقدمه أدب الطفل ليس معنى يُملى عليه، بل نصٌّ يفتح أمامه طريق الاكتشاف؛ لأن بعض المعاني لا تحتاج إلى أن تُقال كاملة، بقدر ما تحتاج إلى كتابة تعرف كيف تلمّح، وقارئ صغير يجد في الكلمات ما يعينه على أن يفهم أكثر مما قيل.

*كاتبة سعودية
7aerh_4

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود