مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

عبد الجبار الخليوي* كان جابر وإبراهيم صديقين منذ أن تعلّما كتابة الحروف الأولى ع …

مَا وَرَاءَ المَارْكَة

منذ ساعتين

6

0

عبد الجبار الخليوي*

كان جابر وإبراهيم صديقين منذ أن تعلّما كتابة الحروف الأولى على أوراق الصفوف الابتدائية؛ لم تكن بينهما قرابة ولا أبواب مؤصدة؛ يدخل كلٌّ منهما بيت الآخر كما يدخل بيته تماماً؛ دون استئذان؛ يعرفان زوايا كل بيت منهما؛ وأثاث غرفه الضيقة؛ويعرفان أصوات أهله؛ سواءً كانوا نساءً أو رجالاً؛ ولا تغيب عنهما رائحة الطعام التي تعبق في الممرات؛ حتى غدت طفولتهما سيرة واحدة كُتبت بقلمين؛ غير أن البيتين لم يكونا سواء.

كان بيت جابر يعيش حياةً هادئة فيها شيء من السعة والرفاه؛ فوالده وإخوته العاملون في الكويت والسعودية لم يدّخروا وسعاً في توفير حياة كريمة لأهلهم.

أما إبراهيم؛ فكانت الحياة تضيق بأسرته كلما ضاقت مبيعات الدكان؛ لكن الله سخّر لهم أقارب في الكويت؛ يمدّونهم بالزكاة والصدقة؛ ويرسلون لهم في بعض الأحيان ما فضل من الملابس المستعملة النظيفة السليمة؛ وكانت تلك الثياب على الرغم من أنها مستعملة؛ لكنها تحمل أسماءً لامعة وعلامات تجارية لا يملك مثلها كثير من الأطفال في البلدة؛ حتى إن إبراهيم كان يبدو في بعض الأيام أكثر أناقة من جابر بهذه الثياب ذات الماركة؛ بينما الحقيقة تسكن بعيداً عن المظاهر.

وفي الصف السادس الابتدائي؛ دخل عليهم أحد المعلمين وقال بصوت هادئ:

– من منكم والده فقير؛ وتحتاج أسرته إلى دعم إدارة المدرسة بمناسبة العيد؛ فليرفع يده؟

ارتفعت كثير من الأيدي دفعة واحدة؛ حتى كأن الفقر صار أمنيةً في أعين الصغار؛ بل أصبح قاسمًا مشتركًا بينهم؛ وكان من بين تلك الأيدي يد جابر ويد صاحبه إبراهيم.

تأمل المعلم الوجوه مليّاً؛ فهو يعرف أحوال بعض الأسر التي تستحق الدعم والمساعدة؛ ثم قال لمن يعلم أن أسرهم ميسورة أن يُنزلوا أيديهم ويجلسوا؛ وبعدها نظر إلى الطلاب الذين يرتدون ملابس تحمل أشهر الماركات؛ وطلب منهم الجلوس أيضاً؛ وكان إبراهيم أحدهم.

جلس إبراهيم مطأطئ الرأس؛ ثم اختار المعلم سبعة طلاب؛ وكان جابر من بينهم، واصطحبهم إلى الإدارة؛ حيث سُلِّم كل واحد منهم بدلة جديدة بلون رصاصي؛ وحذاء أسود استعداداً للعيد.

وظل جابر ممسكاً بالكيس؛ لكن قلبه لم يمسك بشيء؛ كان يستغرب قرار المعلم؛ لقد عرف أن إبراهيم أحوج منه إلى هذه البدلة؛ لكن ثيابه القديمة الأنيقة خدعت العين؛ فحُكم على حاله من ظاهر لباسه؛ لا من حقيقة معيشته؛ ولم ينطق إبراهيم بكلمة؛ غير أن جابر رأى في عيني صاحبه دموعاً حائرة؛ تبحث عن مكان تختبئ فيه؛ فلا تجد.

عادا بعد انتهاء الدوام؛ وسارا في الطريق المعتاد؛ الطريق الذي طالما شهد ضحكاتهما؛ وفجأة توقف جابر؛ ومد الكيس إلى إبراهيم؛ وقال له بكل هدوء:

– هذه لك.

تراجع إبراهيم خطوة للخلف؛ كأنه لم يصدق ما سمع؛ وقال:

– ولكنها لك…

ابتسم جابر ابتسامة صغيرة؛ وقال:

– بل هي لمن يحتاجها أكثر…

أخذ إبراهيم الكيس بكلتا يديه؛ وكأنه يحمل عيداً كاملاً؛ لا بدلةً وحذاءً فقط؛ امتلأت عيناه بفرحٍ امتزج بالحياء؛ وشكر صديقه ثم أسرع إلى بيته؛ يحمل البشرى قبل أن يحمل الكيس…

ولما عاد جابر إلى منزلهم؛ قصّ على أهله ما جرى؛ نظر إليه والده ملياً؛ ثم قال وقد ارتسمت على وجهه ملامح الرضا:

– خيراً فعلت يا بني…

ثم أردف بصوت بقي يرافق جابر ما بقي من عمره:

– لكن تذكّر أمراً لا تنساه أبداً؛ ما دام الله قد أغنانا؛ فلا ترفع يدك مع الفقراء طلباً لما ليس لك؛ وإن احتجت يوماً إلى شيء فأخبرني؛ ولا تجعل حاجتك عند الناس ما دام الله قد جعل لك بيتاً يُغنيك…

في تلك الليلة؛ أدرك جابر أن البدلة الرصاصية اللون لم تكن أثمن ما خرج به من المدرسة؛ بل كان أثمن منها درس علّمه أن الكرامة لا تُقاس بما نلبس؛ وأن الفقر قد يختبئ تحت أجمل الثياب؛ وأن أجمل الهدايا هي تلك التي تصل إلى مستحقها؛ ولو مرّت أولاً بين يدي صديقٍ عرف معنى الأمانة.

*كاتب من السعودية

ajalkhelaiwi@gmail.com إيميل:

@Aj_Alkhelaiwi إكس:

@al_manarah_ إنستغرام:

هاتف: 00966555202499

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود