1158
0
1483
0
168
0
114
0
267
0
10
0
14
0
6
0
10
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13811
0
13646
0
12459
0
12247
0
9782
0

هاني الغيتاوي*
كتب مئات الرسائل، أودعها لوعته واشتياقه، وكان حبرها دموع عينيه، ومعانيها شذراتٍ من روحه. مضى يبعث بها إليها رسالةً إثر رسالة، ثمّ انتظر الرد بلهفة الغريق إلى النجاة؛ كأن كلمةّ واحدة منها قادرة على أن تنتشله من قاع وحدته، وتُلمّ ما تساقط من روحه في غيابها.
كل يومٍ يفتح هاتفه ويُحدّق في سجل المحادثات؛ فلا يجدُ حركةً ولا نأمة، لا شيءٍ سوى صمتٍ يمتد كصحراءٍ لا نهاية لها. كان يتأمل موضع الرسائل طويلًا، كأنّ التحديق فيه قد يستدرج الكلمات من غيابها، أو يستحث أصابعها على الكتابة، ينتظر انتظار الأرض الجدباء قطرة المطر، وانتظار الشجرة العارية ربيعًا طال انتظاره.
ظلّ رابضًا جوار هاتفه، عيناه مُعلّقتان بالشاشة، وقلبه يُصغي إلى صمتٍ لا ينتهي.
وإذا غلبه النعاس ثمّ أفاق مدّ يده إلى المحادثة بعينين نصف ناعستين؛ لعلّ شيئًا قد حدث في غيابه، لعلّها كتبت، لعلّ الغياب رقّ أخيرًا لقلبه.. لكن لا مجيب.
تمضي الأيام وهو على حاله، كأن الانتظار صار مهنته الوحيدة، وكأنّ حياته اختُزلت في مستطيلٍ ضئيلٍ يطلّ منه على احتمالٍ يتضاءل كل يومٍ، لكنه يأبى أن يموت.
وذات مرةٍ، حدث ما لم يجرؤ على تصديقه. رأى حركة في موضع المُحادثة؛ وميضًا أبيض يتراقص على الشاشة.
قفز قلبه من مكانه، ولمعت عيناه ببريقٍ افتقده طويلًا، ها هي اللحظة التي انتظرها قد جاءت! إنها تكتب.. إنها تقرأ رسائله أخيرًا، وربما رقّ قلبها لكلّ ذلك الوجع الذي أرسله إليها، رسالة بعد رسالة، وليلًا بعد ليل.
ظلّ يُحدّق في الوميض، كأنّ عينيه تخشيان أن تطرفا فيختفي، وكأنّ قلبه الذي أنهكه الانتظار، يستجمع ما بقي فيه من نبضٍ لاستقبال الفرح.
فجأة، استيقظت في ذاكرته صورةٌ قديمة؛ أرضٌ أنهكها الجفاف، وحُجب عنها الماء بسدّ يحبس الحياة خلف جدرانه.
يومها تجرأت امرأة على فتح الهاويس، وأخذت تُدير أسطوانته بيدين تعاندان الصدأ والقهر، ظلت تحاول حتى انفرجت في السد فتحة صغيرة، اندفع منها الماء كأنه روح عادت إلى جسدٍ يُحتضر.
كان الفلاحون يرقبون المشهد بعيونٍ أضناها القهر، وما أن رأوا الماء ينساب حتى أشرقت وجوههم.
شقّ الماء طريقه إلى التراب اليابس، وتسلّل بين الشقوق المُتعبة، فتلقته الأرض بظمأ السنين، كأنها تُقبّل الحياة بعد طول حرمان.
أمّا هو فقد ظنّ أن الوميض الذي يتراقص أمام عينيه هو هاويسه الذي انفتح أخيرًا، وأن الكلمات ستتدفق إلى قلبه كما تدفق الماء إلى الأرض؛ فتغسل عنه غبار الانتظار، وتروي ما جفّ فيه من أمل.
لكنه لم يكن فلاحًا يرى الماء ينساب إلى حقله، ولا أرضًا تتلقى الحياة.. كان طائرًا أنهكه التحليق حول نافذة مغلقة، حتى إذا حطّ على حافتها، ظنّ أنها ستُفتح له، فإذا بها تنغلق في وجهه إلى الأبد.
توقف الوميض.. وظهرت الكلمات:
“نحن انتهينا من الماضي، ولا يمكن أن يعود..”
قرأها مرةّ، ثمّ أعاد قراءتها، كأنّ عينيه ترفضان أن تُصدقا ما رأتا.. وفي اللحظة التي أتم فيها القراءة، أدرك أن الهاويس لم يكن قد انفتح، وأن الوميض الذي ظنّه بشارة ماء لم يكن سوى إنعكاسٍ خادعٍ على صفحة يباب.
ظل الهاتف بين يديه صامتًا كما كان، لكن شيئًا في داخله لم يعد كما كان.
أدرك أخيرًا أن بعض الأبواب لا تُغلق حين توصد، بل حين نكفّ عن انتظار أن تُفتح؛ وأن بعض الهاويس، مهما أدرنا أسطوانتها بيد الرجاء، تظلّ مغاليقها عصيّة على أيدينا، ويبقى الماء حبيسًا خلف سدٍّ لا يلين.
*كاتب من مصر