الأكثر مشاهدة

جعفر الديري*   عندما نطق باسم والِده، أصيبت الزوجة الصَّغيرة بالحيرة، ولم ت …

التعِس، الوَغد، والحُمَّى   

منذ ساعتين

8

0

جعفر الديري*

 

عندما نطق باسم والِده، أصيبت الزوجة الصَّغيرة بالحيرة، ولم تستطع الكلام، رغم أنَّها قبل لحظات كانت في قمَّة عنفواها وغرورها. وقفت جامدة، ما دفع الرجل العجوز، للصُّراخ من الداخل:  

– مَن بالباب؟

ولمَّا لم يتلق جواباً، أعاد السؤال في غضب:  

– فاطمة.. مع من تتحدَّثين؟  

انتبهت لنفسها وأدارت رأسها، وقالت:   

– إنّه شاب يزعم انه ابن الحاج.  

– ماذا؟

قال العجوز ذلك ثمّ توكأ على عصاه، وجاء مسرعاً، وعيناه تنويان الشر، لكنه اضطرب حين نظر إلى الشاب، وتيقّن أنه ابن لزوج ابنته المريض.

بادره الشاب بالقول باستخفاف:  

– أنت إذاً الشيطان الذي أخرج أبي من جنَّته؟!

قال العجوز متكلّفاً الابتسَامة:

– أنا عمُّ والدك الآن.

قال باحتقار لم يحَاول إخفاءه:  

– اللعنة عليك، فرَّقت بيننا وبين والدنا، ولك عين تطالعنا بها؟!

– وماذا تريد الآن؟

– ماذا أريد؟! أريد رؤية أبي.

– إنَّ والدك ليس بالداخل.

– بل هو بالداخل، لا تضطّرني لاستخدام العنف معك.

– قصدت أنه مريض، ولا يستطيع لقاء أحد من الناس.

– وهل جعلك بوَّابا له؟! ابتعد عن طريقي وإلا دفعت بك بعيداً، ابتعد.

ودخل البيت، البيت القديم الذي ولد فيه، وعاش سنوات عمره الأولى، وقصد الغرفة التي يرقد فيها والده، فوجده كما وصله الخبر، مريضًا لا يقوى على الحركة. حاول التحدُّث معه، لكن دون جدوى، تحسّس جبهته فأحسَّ بما يشبه لسع النار بفعل الحمّى.

صاح بغضب:   

– لماذا لم تطلبوا الإسعاف؟

أجاب العجوز في تردُّد: 

– لقد كان بصحَّة جيدة قبل ساعة.

– اللعنة عليك، إنَّما أردت قتله أيُّها العجوز الخِرف.

وأخرج جوَّالَه، وطلب الإسعاف، وعيناه لا تغادران النظر لوجه والده، فمنذ شهور معدودة، لم يكن هذا الرجل التعس على هذه الحالة من الضعف، كان يعيش في بيته الكبير، ناعماً بالصحَّة والعافية، وبالمال والولد حواليه، فجأة ودون مقدِّمات، أخبرهم عن قراره بالزواج بامرأة أخرى، دون مراعاة لخاطر زوجته حتَّى. أصِيبوا بالذهول، وبكت شقيقاته تأثُّراً لحال والدتهم، ولم يثنه عن قراره شيء، فقد عاش متسلّطاً مستبدَّاً، شديد الثقة في تقديره للأمور، لا يستمع لكلام أحد، ولا حتَّى أبناءه، ولا يعيرهم أدنى اهتمام، ولطالما أوقع نفسه في المشاكل، لكنَّها هذه المرَّة ليست كسابقاتها، فقد اختار زوجة في سنِّ بناته، وعلى يد هذا الوغد الغريب، الذي يكفي النظر إلى عينيه ليتبيّن كلُّ من يخاطبه مقدار اللؤم الذي يطلُّ منهما.

وجاءت الزوجة الصَّغيرة تسعى كالحيَّة الرقطاء، وسألته:

– هل تحتاج شيئاً؟

– كان عليكِ أن تسأليني عن حَال زوجِك؟

أشاحت بوجهها:

– لقد بذلنا جَهدنا.

– كيف تقولين ذلك؟ أنتم حتى لم تنقلوه للمستشفى، على الأقل كنتم اتصلتم بنا، وأخبرتمونا بحاله.

ولولا أنَّها سارعت بالفرار، لصبَّ عليها جام غضبه، انتقامًا لأمِّه المسكينة، فهذا البيت ملك لها، وها هي الحِرباء ووالدها، يسكنان فيه دون أدنى ذرَّة من حياء، ورغم ذلك، لم تحَاول طردهما منه، ولم تسل لحظة عن تذكيرهم بوالدهم، والسؤال عنه، كأنَّها لم تذق شيئاً من كأس إذلاله لها.

وقف وقد استبدَّ به شعور طاغ بالمرارة والألم، وراحت عيناه تطالعان من باب الغرفة المفتوح، “حوش” البيت، وتتلمَّسان أشعَّة الشمس وهي تنصبُّ على التراب، فتبعد الحشرات، وتزيل ما علق بالجو من روائح كريهة، مليئة بأنفاس الطمع بما في أيدي الناس، والرغبة في إقامة بنيان أسرة جديدة على بنيان أسرة سعيدة مطمئنة.   

وراح يوازن بين صورة البيت بالأمس وصورته اليوم، وبين لياليه وأيَّامه وهو يضجُّ بالمرح والسعادة، وما هو عليه الآن من كآبة وعبوس. وعجب لشأن والده، وكيف أنَّه استبدل بالعبير الطيِّب لأسرته المحبَّة، رائحة هذه الصُّحبة الكريهة التي تزكم الأنوف.

وسمع دويَّ صوت سيارة الإسعاف، فسارع إلى فتح الباب، وقاد الفنيَّ والمسعف إلى الداخل، ثمّ ساعدهما في نقل والده إلى السيارة، بقلب يخفق بشدَّة وجَلاً عليه، بينما ظلَّ العجوز وابنته يرقبان المريض بحياد دون أثرٍ من حبٍّ واهتمام.   

*كاتب من البحرين

j.aldairi@yahoo.com

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود