823
0
372
0
486
0
345
0
647
0
3
0
4
0
4
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13536
0
13382
0
12216
0
12139
0
9574
0

رؤى جوني*
كنت أتهيأ للإخلاد إلى قيلولتي المعتادة حين رن الجوال، ساورني شعور لا أدري له سببًا مباشرًا، أن على طرف السلك الآخر مفاجأة سارة تنتظرني، فرقم جوالي المؤقت هذا لا يعرفه إلا قلة قليلة من الصديقات.
ضغطت على زر الإجابة، وقبل أن أنطق بكلمة، سمعت رطنًا ناشزًا بلغة لا أعلم حرفًا واحدًا من حروفها، تمنيت حينذاك لو انصهرت كل لغات العالم إلى لغة واحدة، تغنيني عن العجز المحزن الذي يفصلني عن فهم الكلمات التي تنساب كالموسيقى من ثغر امرأة.
بقيت ممسكة بالجوال، دون أن أدري أن الأصداء فقط هي من بقيت ترنّ في أذني بعد رحيل الموسيقى.
أقفلت بعدها الخط، ولم أكد أفعل ذلك حتى صدحت رنة الخلوي من جديد، تساءلت:
لابد أنها هي التي أعادت طلب الرقم بالخطأ.. أجبت من جديد.. كان الصوت مختلفًا:
– آلو
– نعم
– أنا سميّة
نسيت على الفور ذلك الصوت _الخطأ_ ومعه كل أصوات العالم حين سمعت صوت سمية:
_ من أين تتكلمين؟
الأمر بغاية البساطة، أنت في ساحة (ديتالي) اركبي الباص رقم (27) وانزلي في محطة (للوكسمبورج) ستجديني في المقهى المقابل.
– أنا قادمة حالًا.
لسعني هواء كانون القادم من تحت الصفر، دون أن يلي ذلك متعة العين وهي تكتشف مجددًا جمال اللون الواحد، لون الثلج، فقد سبق لها أن اكتشفت جمال ذلك اللون الواحد في لون البحر.
كانت أشعة الشمس تتسلل من فجوات مرسومة بدقة عجيبة، فتنساب على المقاهي والنافورة المنبعثة من تمثال جليدي يتوسط الساحة الشهيرة، وعلى حديقة اللكسومبورج التي فتحت أبوابها للشمس فاكتظت بالعشاق والضائعين والمجانين.. بعد دقائق من جلوسنا في المقهى، قالت سميّة:
هل تنضمين إلى هؤلاء؟
كانت الدعوى أقوى من أن تقاوم، ربا الرائعة على أهبة تنفيذ الاقتراح، حملنا أمتعتنا وخرجنا نضرب في الحديقة على هوانا، وبكل ما تحمل المفاجأة من صحو لحركة الزمن قبل أن ترتد (هذه الحركة) للعودة إلى سيرتها الأولى، سألتني سميّة:
– حاولي إن استطعت أن تبقي هنا.
ودون إرادة وجدت نفسي أجيب بعفوية خالصة:
– والحرب هناك؟!
ابتسمت سميّة ابتسامة أضفت وسامة جديدة على وسامتها وقالت:
أقول ذلك لأن الحرب.. هناك.
– هذا هروب.
– ليس هروبًا أبدًا، هروبك من تدمير نفسك.
أوشكت أن أعترف بالواقع دون الاعتراف بأسبابه، ولكن مع ذلك اكتشفت أن الأسباب التي أطلقتها سميّة مبطنة بغلالة شفافة لها أيضًا ما يبررها.
كنا شارفنا على الوصول إلى حافة الكورنيش الداخلي للحديقة، المكتظ بالكراسي والطيور والبشر، فقلت مفتعلةّ حسرة عابرة، وأنا أشير إلى جمال المكان:
– تعلمين، أني لا أستطيع البقاء هنا.
فقالت وهي تضحك بخبث:
للتقدم ميادين، وللتخلف ميادين، وكلٌّ يحارب في ميدانه.
دخلت فعلًا في مراجعة مع الذات، فالميدان -على ما يبدو– له تأثيره الكبير على مجريات السباق، وأن الحلبة المكسورة قد تودي بكل من فوقها من أبطال دون تفريق، وأن للفكر مناخه وهواؤه يستمد منهما الاستقامة أو الانحناء…
ربا التي كانت تحكم لفّ شالها حول عنقها قاطعت تداعيات فكري، وقالت:
ربما لم تعتادي بعد على جو قارس كهذا.
لست أدري ما إذا كانت ربا تقصد المعنى الحرفي لكلماتها، إلا أن تلك الكلمات قطعت مع ذلك تلك التداعيات لتصلها بتداعيات أخرى، وأنا من جهة أخرى لا أجد في نفسي الرغبة في تبديل هواء الثلج المنعش، المشبع بالأوكسجين والعافية.
أردفت ربا:
– نعود إلى المقهى إذا شئتم أو نكمل مشوارنا في (السان ميشيل).
ماذا في السان ميشيل؟ قاطعت سميّة مازحة.
هناك الشعر والفلسفة والسوربون وأرغون وسارتر…
قاطعت سميّة من جديد:
أهم من كل هذا الآن أن نزور المطعم المغربي.
كنا قد أصبحنا بمحاذاة مقهى صيفي مغلق، وكانت أسراب العصافير تتقافز بين أقدام المتنزهين، وبعد قليل صارت وجوهنا بمواجهة أحد مخارج الحديقة، المطلة على ساحة التمثال الجليدي المصنوع قطرة قطرة من ثلوج كانون، وصار المقهى مسافة عبور الشارع، والناس يتفقون من كل الاتجاهات داخلين خارجين صاعدين هابطين.
قالت ربا بحماسة لم تفقدها حرارتها تلك الخطوات الباردة التي أعقبت اقتراح سميّة:
نذهب إلى المطعم شريطة أن يكون الدفع على حسابي.
ضحكت سميّة من أعماقها، مسندة ذراعها على كتفي للإبقاء على توازنها، وهي تقول بلهجة تحمل –كعادتها دائمًا– الكثير من التورية:
هكذا أبناء جلدتك مقايضون على الدوام خسارة جيوبهم برضا الآخرين!
تفهم ربا مغزى العبارة، وترد بعبارة لا تقل عنها تورية:
الكرم هنا حقيقي يا عزيزتي، والضيفة التي نحتفي بها ليست غريبة.
أما أنا، باعتباري الضيفة المقصودة في حوارهما المشاكس، فقد وجدت نفسي أتدخل منحازة إلى جانب ربا، فقلت:
-لا تنسي أيضًا يا سميّة أن الكرم هنا ذاتي، نابع من الداخل لا من دوافع خارجية.
قطعنا الشارع وانعطفنا في عدد من الشوارع المرصوفة بحجارة سود مربعة، بعيدة عن ضوضاء السير وصخب السيارات، إلى أن أصبحنا بمحاذاة بناء قديم، لكنه أنيق،
قامت ربا بتعريفي عليه قائلة:
هذا البناء هدفنا.
في المطعم الغربي كانت القضايا العربية تلاحقنا منذ الدخول عبر صوت مطرب صاعد، لا نفقه كلمة من كلمات أغنياته التي تكتسح اليوتيوب ومحطات الأغاني، إضافة إلى أصوات مطربين آخرين، كانت تقطع سحبات مواهبهم نشرات قصيرة للأخبار توصف بأنها مهمة، وإنها وردت للتو عن أخبار الحرب وتطوراتها.
كنت أشعر بضيق حقيقي يجثم على صدري، دون أن أستطيع الإفصاح عنه؛ خشية تفسيره طعنًا بسخاء الدعوة، فتحملت على مضض كل الأصوات الناشزة التي طالما هربت منها هناك لأجد نفسي متعثرة بها أينما حللت.
تحررت أخيرًا من الطرب الذي أضفى على أحاديثنا شيئًا من الطرافة ورفع -تبعًا لمقتضيات الحال- من وتيرة أصواتنا. وباختصار أستطيع القول إننا أمضينا جوًّا عربيًّا بعيدًا جدًا عن السان ميشيل وبعيدًا عن الحرب، وبعيدا عن السوربون وأرغون وسارتر.
تكررت لقاءاتنا اليومية إلى أن تحدد موعد السفر.
في قاعة الانتظار بمطار أورلي، سألت سميّة:
أما زلتِ تريدينني أن أبقى؟
تنهدت بحسرة خرجت من أعماق أعماقها:
سأكون رومانسية جدًا فأقول: أتمنى لو كنت هذه اللحظة لعبة طفل، أو رسالة حب أندس في حقيبتك هذه، فتحملني يمناك إلى أول شاخصة تشير إلى الوطن.
قلت متعجبة:
وهل هان عليكم الوطن لهذه الدرجة؟!
ضحكت بكل ما تملك ما من حب، وقالت:
نحن هنا نحمل الوطن، أما هناك فالوطن هو من يحملنا…
لم أفهم.
للوطن هنا لغات عدة، وليس له هناك سوى لغة واحدة.
أيضًا لم أفهم.
ركزت نظراتها في عينيّ وقالت مغالبة خيبة أمل:
هذا التساؤل تجيبك عنه، عندما تجيدين لغتها.. امرأة.
امرأة!
نعم. تلك التي واريتِ جهلك الكبير عندما لم تفهمي كلمة من كلماتها.
تقصدين فتاة الهاتف؟
أقصد… إلى اللقاء… لقد انطلق جميع الركاب صوب الطائرة…
*كاتبة من سوريا