مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

وليد الحداد* في صباح الرحيل، لم أحمل معي سوى حقيبة صغيرة، أما العشرون عامًا فقد …

معولٌ في جيب العاشق

منذ 17 دقيقة

2

0

وليد الحداد*

في صباح الرحيل، لم أحمل معي سوى حقيبة صغيرة، أما العشرون عامًا فقد تركتها معلقةً خلف الباب، مثل معطفٍ ثقيل لم يعد يناسب فصول عمري.

ضحكت وأنا أغلق الباب بهدوء.

من يرانـي سيظن أنني أغادر بيتًا، والحقيقة أنني كنت أغادر محكمةً استمرت جلستها عشرين عامًا، وكان القاضي فيها هو نفسه المدعي العام، والشاهد، وكاتب الضبط… وكل التهم كانت تحمل اسمي.

كانت المسافة بين قلبي وقلبه لا تتجاوز شبرًا.

أستطيع أن ألمس يده وأنا أجلس إلى جواره، لكنني كنت أعجز عن الوصول إلى الطمأنينة التي تبعد عنه عشرين سنة ضوئية.

في البداية حسبتُ غيرته حبًا.

أليس الحب يغار؟

هكذا قالت صديقاتي.

وهكذا قالت الروايات.

وهكذا خدعتني الأغاني.

لكني اكتشفت أن الغيرة تشبه الملح، قليلها يمنح الحياة نكهة، أما إذا تحول إلى أكياس تُلقى في الطعام، فلن يبقى سوى العطش.

كان يسألني عن كل شيء.

لماذا تأخرتِ خمس دقائق؟

من اتصل؟

لماذا أغلقتِ الهاتف بسرعة؟

ولماذا ضحكتِ عندما مر ذلك الطفل؟

كنت أجيب بحماس العاشقة.

ثم بحماس المحامية.

ثم بحماس المتهمة التي تخشى حكمًا مؤبدًا.

حتى صرت أشرح أشياء لم أفعلها أصلًا.

أذكر مساءً جلسنا فيه أمام البحر.

كان الموج هادئًا إلى درجة أنني تمنيت لو استعرت منه قليلًا من السكينة.

لكن الرجل الذي بجواري لم يكن يرى البحر.

كان ينظر إلى رجل جلس على الطاولة المجاورة.

قال فجأة:

ـ لماذا نظر إليك؟

أجبت وأنا ألتفت باستغراب:

ـ لا أعلم… ربما لم ينظر أصلًا.

قال بثقة المحققين:

ـ بل نظر… ورأيتك تنتبهين.

ضحكت.

ضحكتي تلك كانت جريمتي الجديدة.

ومن يومها أصبحت حتى ضحكاتي تحتاج إلى إذنٍ مسبق.

بمرور السنوات، اكتشفت أن لديه هواية غريبة.

كان يحمل معولًا غير مرئي.

كلما بنيت بيننا جدارًا من الثقة، جاء يطرق عليه بأسئلة الشك.

وكلما زرعت زهرة اطمئنان، قلب تربتها بحثًا عن جذورٍ للخيانة.

كنت أقول له:

ـ أتعبتني.

فيجيب بحنان مصطنع:

ـ أخاف أن أخسرك.

وكنت أفكر في سري:

“العجيب أن أكثر من يخاف خسارتك… هو أكثر من يتدرب يوميًا على دفعك نحو الباب.”

وفي إحدى الليالي، استيقظت على صوت ارتطام كوب زجاجي بالأرض.

لم يكن قد غضب.

ولم أكن قد أخطأت.

كل ما في الأمر أنه رأى حلمًا كنت فيه أضاحك صديقتي ومر رجل.

نعم…

حاكمني على جريمة ارتكبتها داخل نومه.

حينها فقط ضحكت حتى دمعت عيناي.

ليس لأن الموقف مضحك، بل لأنني أدركت أنني خسرت المنافسة أمام خيال رجلٍ لا يثق حتى بأحلامه.

في صباح رحيلي، لم يصرخ.

لم يمنعني.

نظر إليّ طويلًا وقال:

ـ ستكتشفين أنني كنت أحبك أكثر من الجميع.

ابتسمت وأنا ألتقط حقيبتي.

قلت:

ـ ربما… لكن الحب الذي يحتاج إلى كل هذا الشك، يشبه حارسًا يحرق المدينة ليحميها من اللصوص.

ثم خرجت.

كان الطريق قصيرًا.

قصيرًا جدًا.

شبرًا واحدًا فقط…

لكنه احتاج عشرين عامًا حتى أقطعه.

بعد أشهر، مررت صدفةً بجانب المقهى الذي اعتدنا الجلوس فيه.

كان في المكان نفسه.

ينظر إلى الداخل بعينين متعبتين، كأنهما ما زالتا تبحثان عن دليلٍ يدين أحدًا.

أشفقت عليه.

لا لأنه خسرني…

بل لأنه لم ينتبه يومًا أن أكبر لصٍ دخل حياته، لم يكن رجلًا آخر.

كان الشك نفسه.

الحب لا يموت حين يبتعد قلبان، بل حين يتحول أحدهما إلى سجن، والآخر إلى سجين يحفظ براءته كل صباح. فالشك لا يبحث عن الحقيقة، بل عن غذائه، وإذا جاع، اخترع الأدلة. أما الثقة، فلا تحتاج إلى عيونٍ كثيرة تراقب، بل إلى قلبٍ واحد يعرف أن الأبواب تُغلق بالمفاتيح، لا بالمعاول.

*كاتب من السعودية 

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود