496
0
883
0
563
0
1267
0
216
0
2
0
5
0
4
0
2
0
0
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13714
0
13561
0
12382
0
12211
0
9712
0

شذى الجاسر*
كان زواجهما لسبع سنوات غرفة مليئة بالصدى. كل كلمة ترتد مكبوتة، وكل ضحكة تختنق قبل أن تصل.
هو “أحمد” يركض خلف الترقيات حتى صار وجهه كالشاشة، وتركض هي “خديجة” خلف العملاء حتى صارت ابتسامتها قالباً للطباعة.
بيت يضج بالكلمات ويخلو من الحوار. وسرير يجمع جسدين كضفتي نهر قد جف ماؤه.
وفي ظهر يوم عادي ككل أيامه وضع استقالته على طاولة مديره. ولم ينتظر الرد.
حين رجع للبيت أخذ يجهز حقيبته ويقول: “ما أقدر أكمل. استقلت من عملي. قررت بسافر لإمليل. بستأجر بيت طين وبزرع واعيش هناك .. تجي معي؟!”.
نظرت له كمن ينظر لمجنون. لم تقل شيئا ولم تمنعه. قالت فقط: “لا … الله معك”. وبعد أن أُغلق الباب جلس ساد الصمت المنزل.
لقد رحل.
وبعد فترة قصيرة من وصوله كل يوم كانت تصلها صورة يديه المتشققة إثر زراعة الخضار في حديقة منزله، وفيديو للريحان وهو يُسقى، وتسجيل لصوت الوادي.
وفي كل مرة كانت تشعر بغصة حنين وشوق له، غصة لضحكته التي صارت تصلها من بعيد، ولوجوده الذي غاب عن جانبها في السرير .
مضت ستة أشهر.
وقبل أن تأخذ قرار الرحيل قدمت إجازة شهرين بدون راتب وقالت: “بجرب، التجربة خير برهان”.
استقبلها باب البيت الخشبي بأنينه في إمليل، واستقبلتها رائحة الزعتر المبلول بدل عطر المكاتب.
هناك كان زوجها مع الأيام اندمج مع الفلاحين. يستيقظ معهم قبل الفجر، يتعلم منهم متى تُروى الأرض ومتى تُترك للعطش. ظهره انحنى قليلاً، لكن ضحكته عادت من البطن.
وكان يبيع جزء من محصول حديقة منزله. كل يوم سبت سوق “سنوت” الذي يبعد عنه ٣٠ دقيقة، وكل يوم ثلاثاء ينزل لسوق “تحناوت”.
وهي بدأت تتعجب من كل شيء. الطبيعة، الهواء الطلق. بدأت الراحة تلامس خلايا جسدها. تعرفت على بعض النساء وبدأ تجاريهم في عاداتهم بالاجتماع في كل مرة في بيت إحداهن.
ومن ضمنهن جارتها فاطمة. ذات الصوت الدافئ كخبز التنور. صارت تذهب عندها كل صباح تساعدها في العجن والخبز. وكانت فاطمة أثناء ذلك تغني:
“لالة لالة يا لالة
سادت بزاف الحالة
شدي ولدك عليا
شدي شدي يا خالة”
فترد خديجة وهي تعجن: “والله صادقة يا فاطمة سادت الحالة بزاف ههه”
وفي المساء كان يأتي الحاج محمد يجلس على مركى في حديقة المنزل ويحكي قصصاً قديمة حول هذه القرية. وكان أحمد يقدم له كوب الشاي. شاي محروق [من خلال اضافة النعناع الطازج أثناء غليه أو الإفراط في عملية الغلي] عمداً.
فيشمه الحاج ويغمض عينيه ويقول: “هذا طعم الصدق”.
كان يراى ابتسامتها وهي تحضر طعام العشاء لهما، وبعد أن انتهوا تقدم الحاج ممسكا بيدها وألبسها خاتما من فضة قائلا: “اليد التي تعمل تستحق أن تُلبس الجبل”.
ومع مرور الوقت تعرفت خديجة أيضاً على السياح الذين يأتون لتسلق جبل توبقال. وفي ليلة قمرية ذهبت وحدها وجلست بجانب أحد الشلالات. تستمع لهدير الماء ولصمت الليل. شاركها زوجها أحمد هذا الهدوء جاعلا من حضنها وسادة لرأسه وهي تمسح جسده بيدها وكأنها تقول من خلال ذلك “طالما نحن معا كل شيء لا يهم لأننا سندعم بعضنا”.
مر الشهران بسرعة. انتهت الإجازة، رجعت للمدينة. للمكتب وللتكييف وللتقارير.
وفي أول يوم عمل جاءها عامل الخدمة كالعادة بكوب شاي بالنعناع. رشفته لمرة واحدة ثم توقفت تتأمل الكوب وتتأمل الرائحة. كان نظيفاً جداً. بلا حرق. لكنه بلا روح.
نظرت إلى خاتم الفضة الخشن في إصبعها فتذكرت: الحاج محمد حينما ألبسها الخاتم لحبه لها كابنة له، وصوت فاطمة العذب، وصوت الشلال، وسكون الليل، وضحكة من أحبت “أحمد” وهو يسقي الريحان.
بعد مرور شهر اتصلت به في الليل: “أنا خسرت”.
قال: “خسرتي إيش؟”
قالت: “خسرت نفسي هنا”.
سكت لبرهة ثم قال: “الريحان عطشان”.
بعد مرور أسبوع قدمت استقالتها.
أجرت منزلهما ثم رجعت إلى بيت يئن وإلى حديقة مليئة بالحب وإلى حياة لا تموت.
وفي أول مساء لها بعد رجعتها جلس الحاج محمد على المتكئ الذي يسكن كعادته، وكما اعتاد أحمد قدم له كوب الشاي محروقا عمدا.
ضحك الحاج وقال: “أهلاً بعودة الروح”.
وفي الصباح الموالي سمعت صوت فاطمة من البيت المجاور وهي تعجن:
“لالة لالة يا لالة
سادت بزاف الحالة”
ذهبت إليها وقالت وهي مبتسمة: “الحمدلله الحالة تصلحت” وبدأت تساعدها في العجن والخبز وهي تتأمل داخلها وعلاقتها بزوجها ثم أدركت بأن الحب الحقيقي لا ينجح بالمال ولا بالمكانة الوظيفية.
الحب الحقي ينجح حين نخلع كل الأقنعة ونجلس على عتبة الصفاء والصدق، السماح والعفو، على الدعم والفهم، على المودة والرحمة، وعلى البساطة.
وقفت لتغسل يديها من أثر العجن وصنعت شاي محترق، قدمت منه كوبا لفاطمة وهي تقول: “حرق الشاي قليلاً… يعلمنا أن للحياة طعما وروح”، وأخذت تغني أغنية لصباح وترقص: “على البساطة البساطة
غيبت شمس نروح ننام
أنا وحبيب الأحلام
نومة حلوة و هنية
لو كان فرشتنا بلاطة”
أثناء غناءها حضر أحمد يتأملها مبتسما، تقترب منه وتهمس في أذنيه: شكرا لإنقاذك لنا.
*كاتبة من السعودية