الأكثر مشاهدة

الكاتبة : حصة بنت عبد العزيز* ليست الطفولةُ عمرًا يمرّ بنا ثم ينقضي، بل عالمٌ كا …

حين تكتب الطفولة حكايتها

منذ ساعتين

4

0

الكاتبة : حصة بنت عبد العزيز*

ليست الطفولةُ عمرًا يمرّ بنا ثم ينقضي، بل عالمٌ كاملٌ له لغته، ودهشته، وأسئلته التي لا تشبه أسئلة الكبار. عالمٌ صغيرٌ في أعيننا، واسعٌ في خيال صاحبه؛ يرى في الظلّ كائنًا يختبئ، وفي الغيمة سفينةً عابرة، وفي النافذة المفتوحة طريقًا إلى حكايةٍ لم تُكتب بعد.
وحين تكتب الطفولة حكايتها، فإنها لا تبدأ من الورق، بل من الدهشة.
فالطفل لا يحتاج إلى من يشرح له العالم، بقدر ما يحتاج إلى من يمنحه فرصةً ليراه بطريقته. ومن هنا يأتي أدب الطفل بوصفه مساحةً فنية تُصغي إلى هذا العالم الداخلي؛ لا درسًا مقنّعًا، ولا موعظةً تتخفّى خلف شخصيات الحكاية وأحداثها، بل أدبًا يملك جماله، وإيقاعه، وصوره، وقدرته على صناعة الدهشة.
إن الحكاية التي تليق بالطفولة لا تمسك بيد الطفل لتقوده إلى نتيجةٍ جاهزة، بل تفتح أمامه أبوابًا كثيرة، وتترك له حرية أن يختار منها الطريق الذي يشبهه. فالأدب الحقيقي لا يقول للطفل: «هكذا يجب أن تفكر»، وإنما يهمس له: «انظر، وتخيّل، واكتشف».
ولعل أجمل ما في أدب الطفل أن الكاتب، حين يقترب من عالم الصغار، عليه أن يتخفف قليلًا من يقين الكبار. فالطفل لا يرى الأشياء بحجمها المادي؛ بل يرى المعنى قبل الشكل، ويمنح الأشياء الصغيرة حياةً لا ننتبه إليها: قد يصبح الكرسيّ سفينة، والصندوق بيتًا، والدمية صديقة، والقمر نافذةً معلّقة في السماء.
ذلك الخيال ليس زينةً في الحكاية، بل هو جوهرها.
فالطفولة تُقيم في منطقةٍ لا تزال الحدود فيها رخوةً بين الواقع والخيال؛ ولذلك يستطيع الأدب أن يدخل إليها دون استئذان، حين يعرف كيف يحافظ على دهشتها دون أن يصادرها. وحين تكون الحكاية صادقةً في فنّها، فإنها لا تحتاج إلى أن ترفع إصبعها لتقول للطفل ماذا يتعلم؛ يكفي أن تمنحه تجربةً تجعله يشعر، ويتساءل، ويضحك، ويخاف، ويتعاطف، ثم يعود من الحكاية وهو يحمل شيئًا لا يعرف كيف تسلّل إليه.
وهنا يكمن الفرق بين الأدب الذي يُكتب للطفل، والأدب الذي يُكتب لتوجيهه:
الأول يمنحه حكاية؛ والثاني يمنحه تعليمات.
الأول يوقظ خياله؛ والثاني يطلب منه أن يحفظ.
الأول يترك أثره في الروح دون ضجيج؛ والثاني يعلن غايته قبل أن تبدأ الحكاية.
ولذلك، فإن الكتابة للطفل ليست تبسيطًا للغة فحسب، ولا تصغيرًا للأفكار، وإنما هي معرفةٌ عميقة بعالمٍ له حساسيته الخاصة. فالطفل قارئٌ شديد الذكاء، وإن لم يمتلك دائمًا أدوات القارئ الكبير؛ يلتقط الصدق من بين السطور، ويشعر بالافتعال ولو لم يستطع تسميته، ويميل إلى الحكاية التي تمنحه حرية أن يكون داخلها، لا خارجها متلقيًا لرسالةٍ معدّة سلفًا.
إن الكاتب الذي يكتب للطفولة لا يكتب من علٍ، بل يهبط إلى أرض الحكاية، يجلس بجوار الطفل، وينظر معه إلى العالم. وربما كان عليه أحيانًا أن ينسى أنه يعرف الإجابة، كي يستطيع أن يسمع السؤال.
وهذا ما يجعل الحكاية فضاءً حيًّا تتجاور فيه الحقيقة والخيال، ويصبح فيه الطفل شريكًا في صناعة المعنى، لا مجرد متلقٍ له.
وحين تكتب الطفولة حكايتها، فإنها لا تكتب عن نفسها فقط، بل تكتب شيئًا من الإنسان في بداياته الأولى؛ عن خوفه الأول، وفرحه الأول، وأسئلته التي لم تُفسدها الإجابات الجاهزة. وربما لهذا يبقى بعض أدب الطفولة عالقًا في ذاكرة الكبار؛ لأن الطفل الذي كنا عليه لم يغادرنا تمامًا، وما زال يحتفظ في داخله بتلك النافذة التي كان ينظر منها إلى العالم بدهشة.
إن أدب الطفل الحقيقي لا ينتهي عند الصفحة الأخيرة؛ قد تنتهي الحكاية، لكن صورتها تظل تمشي في الذاكرة: شخصيةٌ نحبها، جملةٌ عابرة، مشهدٌ لا يُنسى، أو سؤالٌ ظل يكبر معنا دون أن نشعر.
فالحكاية الجميلة لا تعلّم الطفل كيف يعيش فحسب، بل تمنحه سببًا لأن يحب الحياة كما يراها للمرة الأولى.
وحين نمنح الطفولة حكايةً صادقةً وجميلة، فإننا لا نكتب للصغار وحدهم؛ نحن نحفظ للإنسان داخله الأول، ونترك للدهشة مكانًا كي تبقى حيّة.
فالطفل ليس قارئ اليوم فحسب، بل هو ملامح الغد التي تتشكل أمام أعيننا؛ هو المستقبل الذي نريد له أن يكون أكثر إشراقًا وجمالًا. وحين نترك له مساحةً للخيال، ونمنحه حكايةً تليق بدهشته، فإننا لا نكتب صفحةً في كتاب الطفولة فحسب، بل نشارك في كتابة ملامح المستقبل.
لذلك، حين تكتب الطفولة حكايتها، لا ينبغي أن نسبقها إلى النهاية.
علينا فقط أن نصغي…
فربما كان أجمل ما في الحكاية أن نترك للطفل فرصةً ليكتب معنا آخر سطر.

كاتبة سعودية
@7aerh_4

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود