مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

د. خالد أحمد* يقوم الأداء الصوتي الإبداعي والتقديم الإذاعي الناجح للأطفال على ثل …

 تنمية المهارات الصوتية الإبداعية للأطفال

منذ 23 دقيقة

6

0

د. خالد أحمد*

يقوم الأداء الصوتي الإبداعي والتقديم الإذاعي الناجح للأطفال على ثلاثة مرتكزات عملية أساسية يكمل بعضها بعضًا: التحكم بالتنفس السليم، والتحكم في طبقات الصوت، وتنويع سرعة الحديث.

1. السيطرة على التنفس والتخلص من الأصوات الحشوية

تعتبر عملية التنفس المنظم هي السر الأساسي ومكمن السيطرة على نبرة الصوت وقوته وإنتاج الكلام الجيد والواضح. تتركز قوة التنفس السليم في المنطقة المركزية لتجويف البطن وأسفل الصدر (التنفس الحجابي)، حيث يوفر هذا النمط من التنفس الدعم الهوائي الكافي لإصدار تلوينات حساسة في درجات الصوت وشدته، دون إرهاق الحبال الصوتية الرقيقة للطفل.

خطوات تدريب الطفل على التنفس السليم:

• الاستلقاء أو الوقوف مستقيمًا، مع وضع يد الطفل على بطنه لملاحظة حركتها الصاعدة والهابطة مع عمليتي الشهيق والزفير.

• تدريب الطفل على أخذ شهيق عميق من الأنف وحبسه لمدة ثانيتين، ثم إخراجه ببطء شديد على شكل هواء زفير متصل كصوت حرف «السين» الهامس.

• التخلص التام من أصوات التأتأة والهمهمات الحشوية (مثل: آه، إيه، أممم) أثناء التوقف للتفكير، وتدريب الطفل على استبدال هذه الأصوات بالصمت التعبيري القصير والمريح.

2. طبقات الصوت والتلوين النغمي المعبر

تختلف طبقات الصوت البشري وتتعدد وفقًا للأبعاد النفسية والعاطفية للمتحدث. يجب تدريب الطفل على عدم الحديث برتابة أو وتيرة واحدة تثير الملل، بل تعليمه كيفية استخدام طبقات صوته الثلاث الرئيسية وتكييفها مع المعاني والمواقف المختلفة:

• الدرجة الصاعدة إلى أعلى (Upward): وتستخدم عند الاستفهام والسؤال للتعبير عن الشك والتساؤل والأشياء المجهولة (مثل: هل غادر القطار المحطة؟).

• الدرجة الهابطة إلى أسفل (Downward): وتستخدم عند إلقاء الجمل التقريرية؛ لتوحي بالتأكيد والتحديد والحكم القاطع والنهائي على الأشياء (مثل: لقد انتهى كل شيء بالنجاح!).

• الدرجة المنحنية (Circumflex): وهي الدرجة الأكثر إبداعًا، وتستخدم للتعبير عن السخرية والتهكم، أو حمل المعاني المزدوجة والمشاعر العميقة، كالفرح الشديد أو التعجب والدهشة.

الربط بين طبيعة الموضوع ونبرة الصوت:

• اللهجة الجادة والرصينة: تلازم النصوص العلمية أو الأخبار؛ لزيادة تركيز المعلومات وضمان مصداقيتها لدى المستمع.

• اللهجة العاطفية والتصويرية: تميل إليها نبرة الصوت عند سرد القصص والحكايات والتمثيليات؛ لإثارة خيال الأطفال وجذب انتباههم.

• اللهجة الجريئة والجهورية والجزلة: تلازم القصائد الوطنية والأناشيد الحماسية التي تتطلب القوة والوضوح التام في مخارج الأداء.

3. سرعة الحديث والوقفات التعبيرية

من الأخطاء الصوتية الشائعة بين الأطفال أثناء الإلقاء التسرع الشديد في الكلمات، مما يؤدي إلى تداخلها وتشوه مخارج الحروف، أو التباطؤ المفرط والممل الذي يفقد الجمهور تركيزه وانتباهه. يعتبر معدل الإلقاء النموذجي والصحيح هو ما يتراوح بين 60 إلى 120 كلمة في الدقيقة الواحدة.

يجب تدريب الطفل على مهارة «تقطيع النص اللغوي»؛ أي وضع خطوط مائلة افتراضية أو حقيقية تدل على أماكن الوقف التام والناقص، مما يمنح الطفل فرصة لالتقاط أنفاسه بصورة طبيعية، تيسر للمتلقي استيعاب الأفكار والتمتع بجمالية المعاني المعروضة.

4. تعزيز الثقة بالنفس والتعامل مع الخوف والتوتر

يعتبر الإحساس بالتوتر والقلق قبل مواجهة الجمهور أمرًا طبيعيًا وصحيًا للغاية، ويجب توعية الطفل بأن معظم مظاهر التوتر هذه تظل غير مرئية للآخرين، ولا يلاحظون منها إلا جزءًا بسيطًا. للتغلب على هذا الخوف، يوصى باتباع الخطوات التالية:

• ممارسة التخيل الإيجابي: تدريب الطفل على غلق عينيه ورسم صورة ذهنية واضحة ومكررة لنفسه، وهو ينجح ببراعة في تقديم عرضه الإذاعي أمام زملائه والمعلمين.

• التحضير المسبق والكامل للدرس أو الكلمة: وقراءتها بصوت مرتفع بمفرده عدة مرات قبل الإلقاء الفعلي؛ لترسيخ الأمان النفسي اللغوي.

• الابتسامة المشرقة والتنفس البطني البطيء والعميق قبل البدء بالحديث مباشرة، والوقوف المتوازن بثبات على القدمين؛ لتعزيز إحساس القوة والسلطة الشخصية.

5. التعبير الجسدي الفعال ولغة الجسد أمام الميكروفون

تشير الدراسات الإعلامية والتواصلية إلى أن نسبة كبيرة من مضمون وحقيقة أي رسالة تواصلية يتم نقلها عبر السلوكيات غير اللفظية ولغة الجسد ونبرة الصوت، بينما لا يحمل الكلام المنطوق بمفرده سوى جزء بسيط من التأثير التواصلي والمصداقية.

• التواصل البصري: تدريب الطفل على النظر المباشر في عيون المستمعين كأفراد بالتناوب، أو توجيه النظر بتركيز تام نحو الكاميرا أو الميكروفون، وكأنه يخاطب شخصًا واحدًا حميمًا وصديقًا يقف خلفها.

• لغة اليدين وتعبيرات الوجه: اليدان تستخدمان عفويًا لتأكيد المعاني وتوضيح الكلمات الصادرة (مثل حجم الأشياء والحركات التعبيرية)، ويجب تجنب الإفراط في حركتهما، أو حركات الملامسة الذاتية السلبية، مثل لمس الوجه أو تعديل الملابس وغطاء الرأس باستمرار، وتفادي تشبيك الساعدين أمام الصدر؛ لأن ذلك يوحي بمظهر دفاعي أو سلبي.

• الوقوف والحضور المتأهب: حث الطفل على رفع رأسه والوقوف بصدر منفتح يعبر عن الحماس والمصداقية، مع الارتخاء المريح دون تشنج أو ترهل في عضلات الجسد.

6. تلافي عيوب النطق والأخطاء الشائعة

يواجه الأطفال عادةً تحديات تتعلق بلفظ الأحرف اللثوية (ظ، ذ، ث) وإخراجها من مخارجها الصحيحة، أو التلعثم في نطق الكلمات المتشابهة المتوالية، بالإضافة إلى بعض الأخطاء اللغوية الشائعة.

من أهم قواعد التقويم الصوتي اللغوي للأطفال:

• ضرورة الفصل الصحيح والوعي التام بين مخارج الأصوات وحروفها المرققة والمفخمة (مثل التفرقة الدقيقة بين الصاد والسين، أو التاء والطاء، والكاف والقاف)؛ لمنع حدوث التداخل والتشوه الصوتي.

• الالتزام التام بقواعد مطابقة العدد والمعدود، وتجنب الأخطاء النحوية الشائعة التي تؤثر سلبًا على مصداقية الإلقاء (مثل إدخال «أل» التعريف على «غير»، والصحيح: «غير الواثقة»).

• الالتزام بالنطق الصحيح الفصيح للأحرف، والبعد عن النطق العامي المعيب، كعدم تعطيش الجيم أو نطق الحروف اللثوية بطريقة عامية.

إرشادات عملية للمعلمين والمربين

لتطوير الأداء الصوتي والتقديم الإذاعي للأطفال بنجاح، يجب توفير البيئة الداعمة الحاضنة والمحفزة لقدراتهم:

1. تأسيس ركن «الاستوديو المدرسي المبسط»

إن تخصيص مساحة مخصصة داخل الفصل الدراسي تحاكي استوديوهات الإرسال الإذاعي الحقيقية يسهم بشكل فعال في كسر حاجز الرهبة والخوف، وجلب انتباه الأطفال، وتعزيز انتمائهم للمكان. يراعى عند تصميم الركن الإذاعي المدرسي التالي:

• توفير العزل الصوتي والامتصاص المناسب باستخدام مواد فلينية بسيطة؛ لامتصاص وتجنب الانعكاسات المزعجة للأصوات على الأسطح الصلدة داخل الغرفة.

• وضع مجسم لميكروفون حقيقي سهل الاستخدام وحامل مخصص، وتعليم الأطفال كيفية الوقوف بشكل سليم وتوجيه الصوت بشكل مباشر ومحسوب نحو الميكروفون، دون النفخ فيه أو ضربه.

• وضع لوحة تلوينية لرموز وعلامات الترقيم والوقفات؛ لمساعدة الأطفال في تقطيع نصوصهم أثناء القراءة التمهيدية.

2. منهجية التقييم البناء والتغذية الراجعة

يجب على المعلم والمربي تقديم التقييم بأسلوب مهني لطيف وداعم، خالٍ من النقد الجاف المحبط للطفل. ينصح باتباع الطريقة المحددة للثناء المباشر:

• تجنب الثناء العام والمبهم (مثل: «أداؤك ممتاز ومذهل يا صديقي»)؛ لأن ذلك يبدو أقل مصداقية وأقل فائدة عملية للطفل.

• الالتزام بالثناء المحدد الدقيق (مثل: «لقد أعجبني جدًا وضوح مخرج النون والغنة بمقدار حركتين في قراءتك اليوم، وشدة الضغط والوقفة التعبيرية في نهاية الجملة كانت ممتازة ومثيرة للاهتمام!»).

• تشجيع الأطفال على التدرب الجماعي المستمر لمدة 5 دقائق يوميًا، حيث يتحدث كل طفل عن موضوع يحبه، بمشاركة التغذية الراجعة من زملائه في بيئة تسودها الألفة والمودة والاحترام التام.

إن العلاقة التبادلية والاعتمادية الوثيقة بين علوم الصوت واللغة والكلام هي التي تبني التعبير الصوتي البليغ والمحكم لدى الطفل. فبالصوت الفصيح الواضح، والتلوين النغمي المعبر، واستخدام لغة الجسد الإيجابية، يستطيع أطفالنا بناء جسور تواصلية مبهرة مع المحيط من حولهم، واكتساب ثقة مطلقة بأنفسهم تؤهلهم لقيادة المستقبل والتقديم الإذاعي الناجح. 

* أستاذ مشارك بالجامعة الأمريكية للتكنولوجيا والآداب والعلوم، من مصر.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود