الأكثر مشاهدة

عبدالعظيم الضامن ذاكرة الأمكنة… حين يصبح الفن شاهدًا على المكان والزمان قبل نحو …

الفن والسياحة الوطنية

منذ 3 ساعات

6

0
عبدالعظيم الضامن
ذاكرة الأمكنة… حين يصبح الفن شاهدًا على المكان والزمان
قبل نحو ثلاثة عقود، أتيحت لي فرصة المشاركة في مهرجان المحرس الدولي للفنون التشكيلية في تونس، ذلك المهرجان الذي أسّسه الفنان التشكيلي والمسرحي التونسي يوسف الرقيق عام 1988، في مدينته المحرس، ليصبح مع مرور السنوات، موعدًا ثقافيًا يجمع فنانين من تونس ومن بلدان عربية وأجنبية، ويمنح المدينة حضورًا فنيًا يتجاوز حدودها الجغرافية.
لم تكن رحلتي إلى المحرس مجرد مشاركة في فعالية فنية، بل كانت بداية علاقة إنسانية وثقافية مع مدينة استطاعت أن تترك في الذاكرة أثرًا لا تمحوه السنوات.
بدأت الرحلة من مطار الدمام إلى مطار تونس الدولي، حيث حظينا باستقبال حافل، ثم انطلقنا باتجاه المحرس. كان الطريق أشبه بسجادة خضراء تمتد على مدّ البصر، تتخللها أشجار الزيتون التي ترسم ملامح الأرض التونسية وتختزن جانبًا من تاريخها الزراعي والثقافي.
مع اقترابنا من المدينة، أخذت رائحة الزيتون تفوح من معاصر الزيت المنتشرة على الطريق، قبل أن تستوقفنا مطاعم شعبية تفوح منها رائحة الشواء. توقفنا لتناول الطعام، ولم أكن أدرك حينها أن هذه التفاصيل البسيطة ستصبح جزءًا من ذاكرة الرحلة، وأن الطعام المحلي، مثل الفن، يمكن أن يكون مدخلًا للتعرّف على ثقافة المكان وأهله.
فالسياحة الحقيقية لا تبدأ عند الوصول إلى الوجهة فحسب، بل تبدأ منذ اللحظة التي يشرع فيها المسافر في اكتشاف تفاصيل الطريق، ويتفاعل مع البيئة المحلية، ويتذوق ملامح الثقافة التي تميّز المجتمع الذي يزوره.
وحين وصلنا إلى المحرس، استقبلتنا المدينة بهدوئها الساحلي ورائحة البحر التي تحيط بها. كانت مدينة صغيرة في حجمها، كبيرة فيما تحمله من إمكانات إنسانية وثقافية. بعد أن استقر بنا المقام في الفندق، بدأت جولتي الأولى لاكتشاف المكان، وأنا أحمل شغفًا بلقاء الفنان يوسف الرقيق، الذي ارتبط اسمه بهذه التجربة الفنية المميزة.
المحرس… حين تحتفي المدينة بالفن
في صباح اليوم التالي، كان الجميع على موعد مع حفل افتتاح المهرجان. تهيأ الفنانون للخروج، وارتدى بعض المشاركين أزياءهم الشعبية، فيما حضرت الفرق الفلكلورية، واصطف الطلبة لاستقبال الضيوف. ثم توالت الوفود الرسمية، ووقف المسؤولون إلى جانب الفنان يوسف الرقيق، في مشهد بدا لي كأن المدينة بأكملها تحتفي بالفن وتستقبل ضيوفه.
كنت أحاول الاقتراب من الرقيق، رغبةً في الاستماع إلى حديثه والتعرّف إلى طموحاته ورؤيته لمستقبل المهرجان. فقد كان واضحًا أن الأمر يتجاوز تنظيم معرض أو إقامة ورش للرسم؛ كان ثمة مشروع ثقافي يسعى إلى جعل الفن جزءًا من حياة المدينة، وإلى تحويل اللقاء بين الفنانين إلى مناسبة تتجدد معها علاقة المجتمع بالإبداع.
ولم يكن هذا التوجه بعيدًا عن المسار الذي اتخذه المهرجان منذ تأسيسه عام 1988؛ إذ ارتبط اسمه بالورش الفنية والمعارض واللقاءات الثقافية، كما امتد أثره إلى الفضاء العام، حيث أصبحت الأعمال الفنية جزءًا من المشهد البصري للمدينة. وقد أسهمت هذه التجربة في ترسيخ صورة المحرس بوصفها وجهة للفنون التشكيلية، لا مجرد مدينة ساحلية عابرة في ذاكرة الزائر.
الفن… لغة مشتركة بين الأجيال والثقافات
في اليوم التالي، بدأت ورش العمل، وشرع الفنانون في الرسم، وشارك الأطفال في تجاربهم الأولى مع الألوان والخطوط والأشكال. كان المشهد جميلًا في بساطته؛ فنان يستلهم من فنان آخر، وطفل يكتشف قدرته على التعبير، ومشاركون يتبادلون الأفكار والخبرات، فيما كانت الندوات والمحاضرات تفتح مساحات للنقاش حول الفن والثقافة ودورهما في المجتمع.
في تلك اللحظات، أدركت أن أهمية المهرجانات الفنية لا تكمن في الأعمال التي تنتجها وحدها، بل في فرص التواصل التي تتيحها، وفي قدرتها على تقريب المسافات بين الثقافات المختلفة.
فالفن لغة إنسانية تتجاوز اختلاف اللغات والجغرافيا، وتتيح للإنسان أن يرى العالم من زوايا جديدة، وأن يكتشف في تجربة الآخر ما يثري تجربته الخاصة. وحين يلتقي الفنانون في مدينة واحدة، فإنهم لا يتبادلون تقنيات الرسم وأساليبه فحسب، بل يتبادلون أيضًا خبراتهم الثقافية ورؤاهم للحياة والإنسان والمكان.
من هنا تتجلى أهمية ورش الأطفال والشباب؛ فهي لا تكتفي بتعليم المهارات الفنية، بل تفتح المجال أمام الأجيال الجديدة لاكتشاف الإبداع، وتعزز صلتها بالثقافة البصرية، وتمنحها فرصة المشاركة في الحياة الثقافية بدل الاكتفاء بمشاهدتها من بعيد.
من المهرجان إلى النسيج الاجتماعي
لكن أجمل ما في تجربة المحرس لم يكن محصورًا في قاعات العرض أو ساحات الرسم.
ففي المساء، كانت الدعوات الاجتماعية تأخذنا إلى بيوت الأهالي وأفراحهم، وكنا نحضر في كل ليلة تقريبًا عرسًا من أعراس المدينة. هناك، بعيدًا عن الطقوس الرسمية للمهرجان، اكتشفنا وجهًا آخر للمحرس؛ وجهًا يتجلى في كرم أهلها، وبساطتهم، وحرصهم على مشاركة ضيوفهم أفراحهم وتفاصيل حياتهم.
شيئًا فشيئًا، لم نعد نشعر بأننا ضيوف جاؤوا من بلدان بعيدة للمشاركة في مناسبة فنية، بل أصبحنا جزءًا من النسيج الاجتماعي للمدينة. نشأت صداقات، وتبادلنا الزيارات، وارتبطنا بأسر تونسية ظلت علاقتنا بها ممتدة حتى بعد انتهاء المهرجان.
ومع اقتراب موعد المغادرة، كان الرحيل يزداد صعوبة؛ لأننا لم نكن نغادر مكانًا زرناه فحسب، بل كنا نبتعد عن أشخاص أصبحوا جزءًا من ذاكرتنا.
هنا تتجلى إحدى أهم القيم التي يمكن أن تنتجها السياحة الثقافية: الانتقال بالزائر من علاقة عابرة بالمكان إلى علاقة إنسانية تستند إلى المعرفة والمشاركة والمودة.
فالسائح قد يزور مدينة لمشاهدة معلم تاريخي أو معرض فني، لكنه قد يعود إليها لأن شخصًا استقبله بمحبة، أو أسرة شاركته مائدة الطعام، أو أصدقاء أصبحوا جزءًا من حياته. وحين تتشكل هذه الروابط، تتحول الزيارة إلى تجربة قابلة للتجدد، ويصبح الحنين إلى المكان دافعًا للعودة إليه.
السياحة الثقافية… ما وراء الترويج التقليدي
لم تكن تجربة المحرس، في تقديري، مخصصة للفن التشكيلي وحده، بل كانت تحمل في داخلها بعدًا سياحيًا وثقافيًا واضحًا. فقد أتاحت للفنانين والزوار فرصة التعرف على المدينة، واكتشاف طبيعتها الساحلية، ومطبخها المحلي، وعادات أهلها، والتفاعل مع حياتهم اليومية.
وهذا ما تؤكده المفاهيم الحديثة للسياحة الثقافية؛ فهي لا تقتصر على زيارة المتاحف والمواقع التاريخية، إنما تشمل اكتشاف الفنون والتراث والمأكولات والموسيقى والتقاليد الحية للمجتمعات. كما يمكن أن تسهم في دعم الاقتصاد المحلي، وتعزيز التفاهم بين الثقافات، والمحافظة على الموروث الثقافي، متى أُديرت بصورة تراعي احتياجات المجتمع المضيف وخصوصيته.
من هذا المنطلق، فإن المهرجان الفني يستطيع أن يكون أداة لتنشيط السياحة، متى ارتبط ببرنامج متكامل يشمل الإقامة والمطاعم والأسواق والحرف المحلية والأنشطة الثقافية، ويمنح الزائر تجربة تتجاوز زمن الفعالية نفسها.
وقد كانت عودتنا المتكررة إلى المحرس، واشتياقنا إلى أصدقائنا فيها، شاهدًا شخصيًا على قدرة هذه التجربة على بناء ارتباط مستمر بالمكان. أما قياس أثرها الاقتصادي والسياحي بصورة دقيقة، فيحتاج إلى بيانات عن أعداد الزوار ومدة إقامتهم وإنفاقهم وتكرار زياراتهم، وهي مؤشرات يمكن أن تساعد المدن في تطوير مهرجاناتها وتعزيز استدامتها.
إن التحدي الحقيقي أمام السياحة الفنية ليس في استقطاب الزوار خلال أيام المهرجان فقط، بل في إيجاد أسباب تدفعهم إلى العودة، وفي ضمان استفادة المجتمع المحلي من النشاط الثقافي، مع الحفاظ على البيئة والهوية والعادات التي تمنح المكان خصوصيته.
الأعمال الفنية… ذاكرة ينبغي ألا تُنسى
ومن أكثر ما يلفت الانتباه في تجربة المحرس أن الفن لا ينتهي بانتهاء المهرجان. فالأعمال التي ينجزها الفنانون، من لوحات وجداريات ومنحوتات، يمكن أن تبقى في المدينة، وأن تتحول إلى علامات بصرية تحمل أسماء أصحابها وآثار مرورهم بها.
هنا تكتسب الفنون في الفضاء العام أهمية خاصة؛ إذ تنتقل من نطاق العرض المؤقت إلى الحياة اليومية للناس. فاللوحة التي يراها السكان كل صباح، والمنحوتة التي يمر بها الزائر في طريقه إلى البحر، والجدارية التي تزيّن أحد المباني، جميعها يمكن أن تصبح جزءًا من الذاكرة البصرية للمدينة.
وقد عُرفت تجربة المحرس بهذا الامتداد الفني إلى الفضاء العام، حتى ارتبطت صورتها الثقافية بما يشبه المتحف المفتوح. لكن بقاء الأعمال الفنية لا يتحقق بمجرد إنجازها؛ بل يحتاج إلى التوثيق والصيانة والحماية، وإلى تعريف الأجيال الجديدة بتاريخها وبالفنانين الذين أبدعوها.
من هنا، فإن الحفاظ على هذه الأعمال هو حفاظ على جانب من تاريخ المدينة، وعلى ذاكرة اللقاءات الفنية التي احتضنتها، وعلى الأثر الذي تركه الفنانون في المكان الذين استضافهم.
ولعل من المهم أن تتبنى المدن التي تستضيف مهرجانات فنية برامج لتوثيق الأعمال، وإنشاء أرشيفات رقمية لها، وتحديد مواقعها وتواريخ إنجازها وأسماء الفنانين، بما يتيح تحويلها إلى مسارات ثقافية وسياحية تستقطب الزوار طوال العام.
فالفن، حين يجد مكانًا يحتضنه وذاكرة تحفظه، يصبح جزءًا من هوية المدينة، لا مجرد أثر عابر لحدث ثقافي.
نحو سياحة تجعل الفن جزءًا من هوية المكان
إن تجربة المحرس تدعونا إلى التفكير في مفهوم أوسع للسياحة الوطنية، مفهوم لا يقتصر على الترويج للمواقع الطبيعية والتاريخية، بل يمنح الفنون والثقافة المحلية مكانة أساسية في بناء التجربة السياحية.
ففي مدننا العربية، ثمة إمكانات واسعة يمكن استثمارها في هذا المجال؛ من الفنون التشكيلية والحرف التقليدية إلى العمارة التاريخية والموسيقى والمهرجانات والأسواق الشعبية. ويمكن لكل مدينة أن تطور هويتها الثقافية الخاصة، وأن تجعل من الإبداع وسيلة للتعريف بموروثها، وفتح أبوابها أمام الزوار، وتعزيز مشاركة سكانها في الحياة الثقافية.
ولا يتحقق ذلك بمجرد تنظيم الفعاليات، بل يحتاج إلى رؤية طويلة الأمد تربط بين الفنانين والجهات الثقافية والسياحية والبلديات والمجتمع المحلي، وتضمن أن تترك الفعاليات أثرًا يتجاوز أيام انعقادها.
إن الاستثمار في الفن هو أيضًا استثمار في الإنسان، وفي قدرة المجتمع على التعبير عن ذاته، وفي بناء علاقات تتجاوز الحدود. وحين يقترن هذا الاستثمار بحفظ الأعمال الفنية وتطوير المسارات الثقافية ودعم المبادرات المحلية، يصبح الفن رافدًا للتنمية الثقافية والسياحية المستدامة.
ذاكرة المكان والزمان
بعد مرور سنوات طويلة على تلك الرحلة، ما زالت المحرس حاضرة في ذاكرتي؛ ليس فقط بما شهدته من أعمال فنية وورش ومحاضرات، بل بما حملته من مشاعر وصداقات ومواقف إنسانية لا تُنسى.
ما زلت أتذكر الطريق المحاط بأشجار الزيتون، ورائحة المعاصر والمطاعم الشعبية، ونسيم البحر، وحفاوة الاستقبال، ووجوه الفنانين والأطفال، وأمسيات الأعراس التي جعلتنا نشعر بأننا من أهل المدينة.
لقد علمتني تلك التجربة أن المكان لا يُختزل في جغرافيته، وأن المدن لا تُعرف بمعالمها وحدها، بل بما تمنحه لزوارها من تجارب، وما تتركه فيهم من مشاعر، وما تنسجه بينهم وبين أهلها من علاقات.
كما علمتني أن العمل الفني قد يعيش أكثر من اللحظة التي أُنجز فيها؛ فقد يبقى على جدار أو في ساحة، ويستحضر ذكرى فنان، أو يوثّق مرحلة من تاريخ المدينة، أو يفتح أمام الأجيال القادمة نافذة على تجربة إنسانية مضت.
هكذا، فإن الفن حين يرتبط بالمكان لا يجمّله فحسب، بل يمنحه معنى إضافيًا، ويضيف إلى ذاكرته شواهد جديدة، ويجعل من زيارته تجربة قابلة للاستعادة والتجدد.
وهكذا نريد للفن أن يكون: ذاكرة للمكان، وشاهدًا على الزمان، وجسرًا بين الإنسان والإنسان؛ وأن تصبح المهرجانات الفنية أكثر من مناسبات عابرة، فتغدو مشروعات ثقافية تحفظ هوية المدن، وتنعش سياحتها، وتترك في وجدان زوارها سببًا دائمًا للعودة.
جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود