الأكثر مشاهدة

طلال الطويرقي* رحم الله أستاذنا الكبير علي بن حسن العبادي رحمة الأبرار، ذلك الرج …

“العبادي” رجل الأدب و الشيم والمواقف

منذ 7 أشهر

118

0

طلال الطويرقي*

رحم الله أستاذنا الكبير علي بن حسن العبادي رحمة الأبرار، ذلك الرجل الذي كلما هاتفته وجدته على الضفة الأخرى من الهاتف مجيبا: هلا يا طلال هلا يا ولدي.
هذا الرجل الذي دعاني إلى مكتبه بعد فوزي بجائزة نادي الطائف الأدبي في مركزها الثالث عام 1417 هـ بقصيدتي التي مطلعها:
أنت من أنت ترى أنت أنا
أنت جرح أم عذاب أم ونى
أنت إن جئت تداري أدمعا
سرها الوجد شيفشيها الضنى
دعاني إلى مكتبه وهنأني بالفوز وتحدث عن القصيدة واستغرابه أن هذا النحيل الصغير هو الشاعر طلال الطويرقي الذي كتب هذه القصيدة، لا أخفيكم أنني كنت في قمة فرحي وهو يعبر عن ذلك ويتبعه بضحكته العالية المتقطعة.
بعد ذلك بعام هاتفني على هاتف المنزل الثابت وأبلغني أنه رشحني لتمثيل المملكة في مهرجان الشباب العربي التاسع بالإسكندرية وكدت أطير فرحًا أمام هذه المفاجأة الكبرى التي احتلت مخيلة شاب على مقعد الثانوية العامة،لا يعرف من الحياة إلا أقلها ولا من العالم إلا محيط الحارة المكية التي انتقل إليها حديثًا بعد اضطراره لمغادرة مرابع طفولته وأجمل ذكرياته مدينة الطائف الجالسة على عرش جبل غزوان.
ذهبت إلى الإسكندرية في أغسطس 1998م تاركًا كل فرصي واختباراتي الدراسية- بعد تخرجي من الثانوية-خلف ظهري سعيًا لرؤية العالم وفرحًا بشعري الذي بدأ يتشكل ويأخذ ملامحه الأولية -رقة ورومانسية ووزنًا ومعنى-في تلك المرحلة كصاحبه، بشكل ما كان خيال المراهق شاسعًا كقصيدة ومتهورًا كشاب يرمي كل مستقبله خلف ظهره من أجل القصيدة/مثلي.
وحين عدت من الإسكندرية أحمل المركز الرابع عربيًا في مجال الشعر لم أجد لي مقعدًا دراسيًا متاحا؛ إذ لم أحضر اختبارات القبول ولا المقابلات الشخصية، ومن هنا بدأت والدتي-حفظها الله ورعاها- بالقلق و تعليق أسباب عطالتي الحالية على شماعة الشعر-وهي والله صادقة- فقد كنت أرى الشعر في كل ما حولي كشاب غض العمر والتجربة.
كان أستاذنا العبادي حينها يجري بعض اتصالاته؛ فقد هاتفته-بعد عودتي من الإسكندرية التي رشحني لها بمركز متقدم للمملكة- وأبلغته أني دفعت ثمن ذلك تركي لكل فرصي الدراسية، وكان ثمنًا باهضًا لكنه في سبيل الوطن والشعر قليل جدا في نظري.
و ذات يوم بعد صلاة المغرب تحديدًا هاتفني شيخنا وأستاذنا الجليل العبادي-وكان يتصل بي وأكون في خارج البيت أحيانا-فردت عليه والدتي هذه المرة:
-السلام عليكم، طلال موجود؟
-عليكم السلام، طلال برى. يكلمك إذا جا من معي؟
-معاك علي العبادي
-علي العبادي وداق علي بعد ما ضيعت الولد لا عاد تدق على هذا الهاتف إذا ما عندك علم.
– أبشري أبشري يا أمي أبشري
وأغلقت أمي الخط، وحين أتيت تولتني بالمحاضرة المعتادة وبمجريات ما قالته للعبادي، أصبت بالدهشة والحيرة والغضب والضياع حينها وبقيت على ذلك أسبوعين تقريبا حتى عاود أستاذنا العبادي الاتصال مرة أخرى وردت عليه والدتي أيضا:
-السلام عليكم
-هاه يا عبادي صَبا ولا عوالي؟
-عوالي عوالي يا أمي
نادتني أمي فرفعت السماعة الأخرى للهاتف وأغلقت السماعة من طرفها،. قال لي شيخنا العبادي:
-يا طلال ياولدي أبشرك مقعدك في الكلية الأمنية جاهز، شاور والدتك وإذا ناسبتك تدخل بإذن الله.
-تسلم يا شيخ علي الله يحفظك.
-أنتظر منك تلفون
-أبشر.
وانتهت المكالمة عند هذا الحد-كان جوابي بالرفض جاهزا-ولم أبلغ أمي-حفظها الله-بحقيقة ما قال أستاذنا في المكالمة بل قلت لها أتصل يطمني بإنه سيحل الموضوع.
كانت الكلية الأمنية في تلك الفترة حلم غالبية الشباب وخيارهم الأول بعد الثانوية العامة، لكني في الحقيقة لم أفكر بها خيارًا متاحًا لي للعمل، ولم تكن التماعات نجوم الضباط ومكانتها الاجتماعية وامتيازاتها الوظيفية والمالية تغريني.
ذهبت إلى كابينة الاتصالات العامة-بعد صلاة المغرب في اليوم الموعود-حتى لا تسمع أمي قراري بالرفض فتقيم الدنيا على رأسي ولا تقعدها، واتصلت:
-السلام عليكم أستاذنا
-هلا هلا يا طلال، بشرني.
-أنا ما أبغى الكلية الأمنية لازم أكون قريب من أمي
-تدخل الأمنية وإذا خلصت الدورة نعينك في مكة جنب والدتك وتختار القطاع اللي تبغاه كمان، قصرت معاك يا ولدي؟
-أبدا ما منك قصور يا شيخ علي لكن الوالدة رافضة الفكرة
-اعطيني أكلمها وأقنعها أنا هذا مكان ممتاز ياولدي
-أنا أكلمك من الكبينة
-ليه
-تلفون البيت مقطوع
-يا ولدي ما تبغى الأمنية؟
-حقيقة ودي شي ثاني لكن ما أبغى أتعبك وأكلف عليك
-لا لا قول اللي في خاطرك ولا يهمك
أعطيته الخيارات التي أفضلها وأصدر قبولي في ما أريد منها، في الكلية التي رفض عميدها السابق عذري الوطني وطردني من مكتبه.
قال لي شيخنا العبادي حينها:
ستدخل الكلية رغمًا عنه وسيصله أمر قبولك غدًا صباحًا بل وأعينك معيدًا في الكلية التي رفضت استقبالك إذا جبت معدل وهذا ما دفعني لأتخرج أولا على دفعتي.
وحين ذهبت إلى الكلية وجدت الترحيب الحار من عميدها الذي طردني بالأمس بل وتقهويت كضيف كبير، وبعد دخولي المكتب طلب مني رقم العبادي لمهاتفته ضرب الرقم على الهاتف، كان الصوت عاليًا في السماعة حتى أني أسمع الرنين:
-السلام عليكم ياشيخ علي، معك فلان بن فلان
-عليكم السلام والرحمة هلا هلا
-وصلنا خطاب من الوزارة وهذا طلال أمامي يتقهوى وبننهي قبوله بعد قليل
– يا دكتور أنا مهديكم ولد ألمعي و بتذكر كلامي إن شاء الله، إذا هو جنبك أعطيني هو.
أعطاني السماعة:
-هلا أستاذنا كيف حالك
-أنا بخير يا ولدي المهم تكون مبسوط ومرتاح وأكرر كما جبت قبولك من الوزير أعينك معيد من الوزير، وقلت للدكتور أنا أهديتكم طالب ألمعي، الله يوفقك وأشوفك-إن شاء الله-في أعلى المناصب.
-ما لك الا اللي يسر خاطرك
-ما عندي شك ياولدي وأي شيء تحتاجه أي وقت كلمني، وبلغ تحياتي لوالدتك الكريمة وقل لها هذي عوالي العبادي، مع السلامة.
-مع السلامة
كنت أنظر للحرج الكبير على وجه ملامح عميد الكلية إذ كان يسمع ما يدور من حديث بيننا كما كنت أسمع حتى أنه أصبح سندًا ويقدم التسهيلات التي لم أطلبها ولم أحتج إليها طوال دراستي في الكلية.
رحم الله أستاذنا أديبنا وعالم العروض الألمعي الأول والمربي الفاضل: علي بن حسن العبادي وأكرم نزله في عليّين مع الأنبياء والشهداء والصالحين.

 

*شاعر وكاتب سعودي

حساب تويتر @Altuwairqi1

التعليقات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود