336
0
499
0
359
0
790
0
258
0
9
0
11
0
18
0
26
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13596
0
13440
0
12273
0
12169
0
9619
0

عادل النعمي*
في أطراف المدينة يجلس بهدوء في مقهى مهمل، يقدم له النادل بنظرات لا تشعره بوجوده، ركوة نحاسية حزينة، عذبتها النار البائسة، تتطاير منها رائحة قهوة منسية، يحتسيها رشفة رشفة، على أقل من مهله، وتمتزج بمرارتها أغنية في رأسه “أنا السيد العاشق، أدعوني بالسيد المتفجر، تخبرني أني رائع…
يوقف أحدهم سيارة فاخرة جدًا بصعوبة! ينزل ويشير لها من بعيد بيده مرحبًا، وهو يرفع يده، هو يعرفه ولا يعرفه في الوقت نفسه!
يجلس بعد التحية ويستمع إليه في هدوء، يسرح الأول كأنه ينظر إلى حقل ممتد نهائي كالمرمر في روسيا، حيث كان يحيا كالملوك.
يبدأ في الحديث وحماقة هذا الرجل تقف على قدمين: الصراخ والكذب، بطنه عظيمة، ويداه قصيرة، وكثافة شعره تجعله يشبه القرد ولا يشبهه، ولكن حين تقرب منه توقن أنه حيوان لا تستطيع تصنيفه، أتى من عالم موازن.
كلما تحمس تقفز عروق رقبته إلى الأمام، وتعود كحبلين من المطاط، له نبرة واعظ، وإذا قال كلام مسجوع يطلب الثناء منه، فهو يسمي نفسه الشاعر.
رقبته صغيرة، ووجه عملاق يقف أمامه، لكن بلا ملامح، خلفه حائط أسود، يجعل جسده يغيب في العتمة، بملابس سوداء، حتى أنه إذا كان مستعجلًا عند الحلاق –فإنه يعمل على وجهه عاملان- وحين يرفع رأسه تختفي رقبته، وتصبح كالكتب الجلدية الصغيرة التي تركم عليه الغبار والطين.
في كل لحظة يلتفت، كأنه يخشى على نفسه، من صفعة قوية مرتقبة، أظنه صُفع مرة صفعة قوية، آلمته تلك الصفعة، فها هو يلتفت خشية الصفعة الجديدة، وفي حركته هذه سيظل كأنه مصفوع أبد الدهر.
ينتظره أن يكمل حديثه إلى النهاية، المشهد حماسي من الخارج، ذلك الرجل يتحدث بدون توفق، يقف وهو يتحدث، يحرك يديه بصور دائرية، يرقص بجذعه، يركل في الهواء، يصفق، يحي الجميع بكفيه معتذرًا، ولا يتوقف إلا إذا اشتكى له أحد الحاضرين من إزعاجه... ثم ينسى ويعاود ما يصنعه!
ما يصنعه هو حماس المدرب الرياضي في مباراة (U F C) القتالية، إلا أنها جولة واحدة، وامتدت إلى ساعة، من طرف واحد، يا للهول!
لديه ورقة أمامه متسخة، مكتوبة بلغة إنجليزية رديئة جدًا جدًاً، يقرأ منها، ويقول شيئًا آخر!
يتوقف الزمان للحظة، كأن كاميرا للتصوير الفوتوغرافي التقطت لقطة، في مكان مظلم، فسطع نورها على رجلين نحتا من نفس الملامح، لكن بتعابير مختلفة، يقفان في مكان مظلم، أحدهم ينظر من فوق كتف الآخر، والأخير لا يظهر إلا بوجه دائري كنجم ساقط، ملامحه الضخمة الخشنة –كل جزء يظهر به عروق التشققات، والوجه المنفرد يطفو في الفراغ.
هذان الرجلان يلتفان بنفس النظرة، نظرة تشبه الإنسان الذي سيغادر مكان هو قلبه، نظرة مشبعة بالحنين والندم، نظرة تخبرك الكثير…
يتذكر في روسيا عندما كان سفيرًا، كان هناك رجل قد صدم للتو أمام باب منزله، الجماهير حاشدة حوله، لم يستطع المرور، حتى أتت الشرطة وفرقت الجموع -فقد كان لاعب كرة مشهور- يرقد على الثلج، وقد أخذ لون أحمر قان في الزحف نحوه ببطء، فلم أعرف هل هو نبيذ الزجاجة التي في يده أم دماؤه… نظرة محبيه كانت تقول إن الاحتمالين صحيحان.
أحيانًا يكون الإنسان مضطرًا للسماع من باب اللياقة الاجتماعية، أو أعمق من ذلك، إذا كان قريبًا له، ولا يريد كسر خاطره! هو يحاول أن يقنعه إلى أن يسلم عقله إلى شخص بلا خبرة، ولا علم، ولا تخصص، لا شيء في لا شيء!
يبتسم ذلك الدبلوماسي المحنك، بعدما تعب محدثه من اللهاث في رصف المعلومات، فهو يصرخ حينًا ويهمس حينَا ولا يمل هذه المسرحية الهزلية التي يصنعها، وهو يعلم أن الذي يجالسه من أول لحظة.
– دعني ألقاك على مسافة أكثر من منتصف الطريق!
– لا.
تنطفئ الأضواء فجأة، فيلتهم الظلام المكان، وتسقط كأس الرجل الذي بجانبه، تعود الإضاءة من جديد، فيتحسس الرجل جيبه، ثم ينظر بريبة في الرجل الذي أمامه.
– أتعلم أفضل شيء في سقوط الاتحاد السوفيتي؟
يهز رأسه في استغراب فيستأنف ذلك الرجل:
– السيارات! نعم السيارات (يقول كلمته الأخيرة وهو يهز رأسه تأكيدًا).
– هل سبق لك قيادة سيارة لادا؟
– لادا… كلا لم أفعل (يقولها باستغراب).
– إنها أسوأ سيارة تم صنعها… تحاول عجن نفسك عند الدخول فيها، وتصيب رأسك بالسقف كلما مررت بمطب، ولا يوجد مكيف هواء.
أتعلم، جلدك سيلتصق بمقاعدها صيفًا، إنها بمثابة تابوت ذو عجلات، لكن بعد سقوط الاتحاد السوفيتي حصلنا على المرسيدس، هناك البرودة والحرارة، والتحكم بالنوافذ، ومساحة أكبر، حتى أني ذات مرة في سفر، توقفت ونمت مع زوجتي فيها -كنت متعبًا جدًا- لا يمكن فعل ذلك في اللادا، لا مساحة بها –ترى يا سيدي- أنا أركب المرسيدس، وأنت تحاول بيعي اللادا.
بعض لحظات من الصمت، يناوله المفتاح الذي اختفى -عندما أطفأت الأنوار- فيتناوله في خجل، وهو ينظر إلى ميداليته التي تخص مكتب التأجير التي أخذها منه.
*كاتب من السعودية