مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

 أحمد بن موسى آل محرق*   منذُ بلغت الخامسة من عمري وبدأت تمييز الأشياء من ح …

الذِراعُ المَبْتورة

منذ 6 أشهر

94

0

 أحمد بن موسى آل محرق*

 

منذُ بلغت الخامسة من عمري وبدأت تمييز الأشياء من حولي.. ومن خلال مشاهدتي المتكررة لأبي وهو يخلع أو يرتدي قميصه الذي يحرص على أن يكون ذا أكمام طويلة.. لاحظتُ أن أحد ذراعيه مبتورة من مفصل الكتف ولم يتبقَّ منها سوى قطعة لحم مدببة غامق لونها، وكلما هممت بسؤاله يُشغلني اللعب واللهو عن ذلك، وذات ليلة بينما كنت مرتميًا بين أحضان أمي وهي تداعب خصلات شعري بأناملها.. قفز ذلك السؤال من فمي يبحث في ذاكرتها عن سر ذراع أبي المبتور.. رفعت نظري إلى وجهها بانتظار الإجابة.. فلاحظت تغير ملامح وجهها وبعد صمت قصير أجابت قائلة: “إن الله قد خلق والدك بهذا الشكل”، حاولت فهم إجابتها التي كانت أكبر بكثير من عمر عقلي الصغير فلم أستطع.. فأعدت سؤالي بطريقة أخرى: لماذا خلق الله أبي بهذا الشكل؟ فجاءني ردها ملطخًا بنبرة صوت غاضبة بعض الشيء قائلة: لقد تأخرت عن موعد نومك.. هيا اذهب إلى سريرك، عندها أحسست بأن فمي أصبح ككيس نقود شُد خيطه على ذلك السؤال والبحث عن إجابته، لكنه ظل خامدًا في تفكيري يثور بين فترة وأخرى.. خاصة عندما تجتمع العائلة ونأتي أنا وأبناء عمومتي مهرولين إلى آبائنا فيمد كلٌّ منهم ذراعيه ليلتقف ابنه ثم يرمي به إلى الأعلى قليلًا قبل أن يعاود التقاطه مرة أخرى.. بينما أنا أظل مستمرًا في هرولتي حتى أرتطم بصدر أبي ليعطف ذراعه الوحيد على جسدي ويقبلني بحرارة، كبرت قليلًا وكبرت معي معاناتي لمعرفة سر ذارع أبي المبتور، اكتشف زملائي في المدرسة ذلك من الأسبوع الأول في الدراسة وبدأت أسئلتهم الطفولية والفضولية تحاصرني من كل جانب.. فتارة ألتزم الصمت وتارة أقتبس من إجابة أمي (بأن الله قد خلقه بهذا الشكل) ولكي أتهرب من نظراتهم إليه عندما يقف ينتظرني بجوار باب المدرسة ليحمل حقيبتي بذراعه الوحيد كنت أقوم بشد طرف ثوبه الفارغ للأسفل حتى لا يظهره الهواء بأنه فارغ، وذات يوم بينما كان المعلم يشرح لنا عن تحريم السرقة والعقوبة التي تنال من يقدم عليها؛ في تلك اللحظة اتجهت نظرات معظم زملائي بالفصل نحوي كأنهم يسألونني ما الذي سرقه أبي لكي تقطع يده؟ رجعت يومها للمنزل منكسر النفس شارد الذهن أتألم بصمت، مضى يومان وأنا أرفض الذهاب للمدرسة متحججًا بأعذار واهية، اكتشف أبي أعذاري الواهية وقام بالانفراد بي في غرفته وبدأ يسألني عن سبب تهربي من المدرسة وهل أعاني من مشاكل مع المعلمين أو الطلاب.. كنت حينها مطأطأ الرأس وهو مستمر في تساؤلات.. حينها انفجرت باكيًا وخرجت الكلمات من بين شفتىيّ واهنة خجلة وأنا أردد: ذراعك المبتور هو السبب نعم هو السبب.. ضمني إلى صدره وهو يردد: لا تبك يا بني سأروي لك قصة ذراعي المبتور الذي تخجل منه، “بعد زواجي من أمك بستة أشهر تلقيت في منتصف الليل اتصالًا من رئيسي في العمل يأمرني بالحضور مباشرة لمقر العمل وعندما وصلنا أنا ومجموعة من زملائي أفاد بأن هناك عصابة من مروجي المخدرات تمارس نشاطها في أحد المنازل وسط الحي.. وحينما وصلنا للموقع قمت وأحد زملائي بتسلق السور الذي يفصلنا عنهم وبمجرد ملامسة أقدامنا لفناء المنزل قامت العصابة بإطلاق النار علينا من جميع الاتجاهات ليفارق زميلي الحياة مباشرة وسقطت أنا مغشيًا عليَّ بعد أن أصبت بعدة طلاقات في ذراعي.. وبصعوبة بالغة تمكن زملاؤنا من إسعافنا ليكتشف الطبيب أن الأعيرة النارية التي استخدمتها العصابة مطلية بمادة سامة لذا قرر بتر ذراعي مباشرة قبل أن ينتشر السم في باقي جسدي”، قبل أن ينهي أبي حديثه سحب أحد أدارج مكتبه وأخرج صورة قديمة يظهر فيها وهو يرتدي الزي العسكري ويحمل سلاحه بـ كلتا يديه.

*كاتب من السعودية

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود