مقالات مشابهة

الأكثر مشاهدة

أحمد حنفي* بينما كان على مرمى ابتسامتها يلتهم الطريق في محاولة العبور تجاه جدار …

يحتضنُ نصبًا تذكاريًّا

منذ سنة واحدة

216

0

أحمد حنفي*

بينما كان على مرمى ابتسامتها يلتهم الطريق في محاولة العبور تجاه جدار الشرفة؛ إذا بنظرتِها تفتر وترخي سدولها.. ذراعها العاجي يمتد بحنوه البالغ ويغلق شباكها الزجاجي إلا قليلًا.. يرى ظلها الناصع يرقبه من خلف فرجة تركتها يتسلل منها هواء يداعب أنفاسها.. يتخللها.. يخفق قلبه بشدة؛ فتولي وتذر خلفها جارًا يتلوى لهفة ويراق أمام شرفتها خاشعًا من فرط احتشائه.

هكذا اعتاد تيها صباحيًا بطلتها الآسرة وبانسحابها الهادئ.. وكأن ذراعها العاجي رقيب يستبد ليقطع المشهد قبل اكتماله.. ذلك التيه الصباحي لذيذ غير مسكر، إلا أنه ما يلبث حتى يتحول لسكون.

أمسك إزميلًا ومطرقة واتجه لعمود من رخام أبيض كان يتوسط غرفته المطلة على شرفتها.. وراح يزاوله ذات اليمين وذات اليسار حتى علم من أين يبدأ.. بطرقات حريصات أخذ الرخام يتشكل على هيئة ذراع قاعدته لأسفل حتى استوى نسخة دقيقة من ذراع جارته.. ذلك الذراع الذي حلم كثيرَا أن يحتضنه.. صار من عاداته الصباحية أن ينحني ليقبل ظهر يده برقة ويجلوه من الأتربة وعيون المتلصصين.

ثم بدا له أن يكسبه لمسة جمالية؛ فطلاء الأظافر الأحمر الفاقع لابد أن يبدو أنيقًا بجوار الأبيض الرخامي.. كما ابتاع عطرًا فرنسيًا وضمخه قبل أن تعلن الشمس انسحابها من الأزرق العريض.

 

وعلى ضوءِ الشموعِ اعتادا الاستماعَ للموسيقى الكلاسيكيةِ الهادئةِ.. أحبَّ كثيرًا الاستماع لموسيقى “الدانوب الأزرق” بينما كانَ ذراعها يُفضِّلُ الرقصَ على موسيقى أغنية “أنا قلبي دليلي” للقصبجي، راقَهُ ذلك ولم يختلفا.. أشعلَ سيجارةً ووضعها بين أصابعها حينما أحسَّ بالألفةِ بين دخان سيجارتِهِ ومسام الرخامِ الصلدةِ.. كان الدخانُ يتسلَّقُها حين ينفثه.. ينزلقُ لأعلى ويلفُّها في دوراتٍ حلزونيَّةٍ.. وقبلَ أن يَحرقَ التبغُ المشتعلُ أناملَها يطفئُ سيجارتَها ويطلبها للرَّقصِ.

ساعاتُ الليلِ الأخيرةِ يقضيانها في كدرٍ مُطبقٍ حين يضعُ كفَّها المُتصلِّبَ على كتفِهِ ليراقصَه.. تفجعُهُ قسوتُه.. يقسمُهُ جفاؤه.. يهزمُهُ ثقلُه.

ذلك الذراعُ الرخاميُّ الذي تاهَ فيه تقبيلًا وضمًّا وتزينًا وتعطيرًا ومداعبةً لا يستطيعُ أن يضمَّهُ.. يُضمرُ جحودًا يخبرُهُ بأنه ليسَ سوى نصبٍ تذكاريٍّ لا يصلحُ إلا للبكاءِ، ووضع إكليلٍ من الزهورِ أسفل منه يُـكسبُه جلالاً لا يليقُ بعاشقٍ.

في أحد الصباحاتِ المتكرِّرةِ بينما كانَ على مرمى ابتسامتِها هفا نسيمُ رائحةِ حنَّاءٍ حينما امتدَّ ذراعُها العاجيُّ ليغلقَ شبَّاكَها.. لكنَّها لم تقف لترقبَهُ كما اعتادت.

تذكَّرَ أن الليلةَ السابقةَ تعالت أصواتُ الدفوفِ وفرقعاتُ ضحكاتٍ حادةٍ، وزغاريدُ وأغانٍ بصوتِ نساءٍ نوبيَّاتٍ تطلُّ من شرفتِها مُشبَّعةً بأضواءٍ ملوَّنةٍ أزعجتهُ كثيرًا وهو يراقِصُ الذراعَ الرُّخاميَّ.. بينما كانَ يجلوه كعادتهِ لفتهُ وجود حلقةٍ معدنيةٍ لامعةٍ في بنصرِه لم يضعها فيه.

دمعتانِ باردتانِ انحدرتا من مقلتيهِ.. بعدَ ساعةٍ استلمَ زهورًا صفراءَ تحلَّقت ببراعةٍ ووضعَها أسفل النصبِ التذكاريِّ لذراعٍ لا يجيدُ الاحتضان.

*كاتب من مصر

جميع الحقوق محفوظه مجلة فرقد الإبداعية © 2022
تطوير وتصميم مسار كلاود