655
0
322
0
191
0
128
0
795
0
11
0
72
0
110
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13507
0
13352
0
12188
0
12130
0
9552
0

هبة عطية*
لم أختر يومًا طريقي، أو أيّ شيء على الإطلاق، دائمًا أمشي في طرق اختارها لي الرب أو أجبرني عليها آخرون. لم أختر أهلي ولا اسمي، ولم أُبدِ رأيي يومًا في أيّ شيء، ولا حتى في شكلي. وُلدت قبيحة، هكذا يقولون. لم أقتنِ يومًا مرآة، كانت كل عيون الحي مرايا، مرايا مسحورة تنطق بالحقيقة كلما رأت وجهي، مرايا مسكونة حقًا، لا تسكنها الأشباح، بل أرواح ضالة تجهل معنى الإنسانية.
تعدّدت الألقاب ويبقى نفس المعنى: ذات الوجه القبيح. أصبحت نذير الشؤم رغْمًا عني، دون أن أدري أيَّ ذنبٍ اقترفت حتى صرت “وجه الشؤم” أينما توجهت.
حينما مات أبي يوم ولادتي، لم يكن ذنبي، لم أكن أنا سائق السيارة التي دهسته ورمّلت أمي، ولم أكن أيضًا سبب موت جدي حين مات حزنًا على ولده. وأنا كذلك لم أكن مع أخي الأصغر حين سقط في البئر، بل كان برفقة أختي الكبرى (الحسناء).
لم أهتمّ بنظراتهم القاتلة، ولا بمعاملاتهم الجائرة، ولا كلماتهم المتنمّرة. كلّ ذلك عندي لا يهم، قولوا أكثر من ذلك، لن أهتم. فليَمقُتْني كل نساء الحي وكل رجال العالم، لن أهتم. لم أكن أريد إلا قلبًا واحدًا يحتويني، يدًا واحدة تحنو على قلبي، تمرر أصابعها على وجهي حتى أسامح العالم بأكمله، حتى أنسى قبحي، ومن قبله قبح العالم.
لكني، مع الأسف، لم أجدها. حتى هي تخلّت عني. أمي لم تقبلني ولم تتقبّل يومًا صنيعة الرب. بحثت عن كل تفردٍ بداخلي وأظهرته لها… لم تكترث.
لم أدَع بابًا للنجاح إلا وولجته من أجلها… لم تحفل.
لقد أصبحت طبيبة فقط لأجل أن أرى الإعجاب في عيني أمي، ولم أفلح.
أغدقت عليها المال والهدايا والحب، لم تقبل. طالما أن كل ذلك يأتي من ذات الوجه الأقبح، لا فرق. لن يحبني أحد. لن أتزوج كأخواتي. من سيقترب من وجه الشؤم؟!
أيقنت في قرارة نفسي أني سأبقى وحيدة إلى الأبد.
في كل مرة كانت تشيح بوجهها عني مبتعدة، كان ينمو بداخلي كل دمامة عرفتها البشرية.
بقيت لسنوات أنتظر تلك اللحظة التي سأنتقم فيها لنفسي منهم، أنتصر ليد الرب التي صنعتني على تلك الهيئة، وتجرأ البعض على لعنها.
سهرت ليالٍ أتخيّل اليوم الذي أراهم فيه يتألمون، فأضحك عليهم لأُشفي النار بصدري.
دعوت كل ليلة أن يتذوقوا تلك الكأس التي طالما تجرعتها، وأولهم أمي.
كل ليلة في صلاتي أردد نفس الدعاء:
“أريد للجميع أن يكتوي بنار الجحيم على الأرض. سأكون أسعد مخلوقة. هذا طلبي يا الله… لن أطلب شيئًا آخر أعدك.
لا أريد مزيدًا من النجاح والتفوق، لن أطلب حبيبًا، لن أطلب بيتًا وأولادًا كباقي الفتيات، لن أطلب أن تجعلني أبدو أجمل. فقط دعني أراهم كلهم يحترقون.”
لكن الله كان له الكلمة العليا، لم يسمح لي ولهم أن يتلوث الجمال الذي خلقه بداخلي.
لم يسمح أن أؤكد لهم مدى قبحي، بل أثبت لي ولهم حقيقة أن يد الله لا تصنع إلا الجمال والخير، وأن القبح والشر ما هما إلا فعل البشر.
مرت الأيام والشهور، ومرضت أمي مرضًا شديدًا. طال المرض والألم، فنظرت إلى قلبي فوجدته يتألم لها.
كدت أجن، كيف تفعل هذا بي أيها القلب الساذج؟
أنا أكرهها، أنا أكره كل البشر!
قلبي قبيح مثلي، تذكّر هذا!
أمرته أن يشمت بها، فعصاني ولم يُطع أمري.
أمرته أن يلعنها بعدد اللعنات التي سمعتها، فأبى.
توسلت إليه أن يلفظها من حياتي للأبد، فجذبني إليها جذبًا، وحدثني قائلًا:
“أنا ما خُلقت لهذا، وإن لم يرني البشر هكذا. لست أنا من يكره، لست أنا من يلعن ويشمت وينهال بالطعنات.
لا تصدقي من وصفوك بوجه الشؤم، ولا تسمعي لهم. لقد حدثني عن بديع خلق الله فينا، وأنه مهما ادّعى البعض أو اختلقوا أوصافًا أو ألقابًا كاذبة، سيبقى الجمال محله القلب، وستظل الأعين التي تبحث عن الجمال في القلوب مباركة إلى الأبد”.
لم أتحدَّ قلبي، وركضت إليها، احتضنتها بعد أن ألقاها ذوو الوجوه الجميلة والقلوب المريضة.
تعجبت أن يكون لأجساد بعض البشر روائح ذكية، ولأفعالهم روائح مقززة.
وجدت أمي تبكي في غرفة مهجورة، تُركت حتى يأتيها الموت سريعًا.
انهار كبريائي أمام ضعفها وقلة حيلتها.
كفكفت دمعها وطمأنتها: “لا تخافي يا أمي، أنتِ بأمان معي الآن، وسأرحل بك من هنا”.
ولكنها أشاحت بوجهها عني هذه المرة أيضًا، لكنها لم تكن تتفادى قبحي، بل كانت تريد الهرب من أفعالها معي من قبل.
قبّلت يدها التي حرمتني منها، ومحياها الذي لم ينظر إليّ، وحملتها معي ورحلت.
أمي صارت أفضل، وأنا أيضًا. بوجودها معي، داويت جراحها وجراحي.
من كان ليصدّق أن جمال الروح قد يعالج الجروح؟
أحببت نفسي وألقيت الماضي بعيدًا في بئر النسيان.
سامحتها، فسامحتني نفسي.
رضيت بمرآتي الآن، فأصبحت لا أهتم بأيّ مرايا كاذبة من حولي.
بدّلت عينيّ القديمتين بعينين مباركتين قانعتين.
آمنت بنفسي فأمِنت.
وضعت يدي على قلبي فوجدتني أغنى امرأة.
لم تتبدّل مرآتي وحدها، بل كل المرايا من حولي، فلم تعد تنطق بالقبح، وكأنما سكتت سكوتًا أبديًا.
وبدأت أرى مرايا جديدة مسكونة بالأرواح النقية الجميلة.
فعثرت على روح مميزة رأتني على حقيقتي.
لقد وجدت فارس أحلامي، وجدت من يرى الكنز بداخلي،
فصرت أنظر إلى نفسي بعينيه.
لقد أخبرني أنني من تمناها زوجة صالحة، لنبني معًا بيتًا لبناته من الحب والخير.
رحلت أمي راضية مرضيّة، وتركت لي نفسًا هادئة مطمئنة.
حمدًا لله، لم أَبقَ وحدي، بل أنعم بصحبة زوجي وأبنائي وأحفادي.
أنظر إلى قلوبهم وأرواحهم الجميلة، فأمتنّ للخالق وأشكره أنه فيما مضى لم يستجب لدعائي بالانتقام.
لم يسعد أحد من قبل برفض دعائه مثلي.
صرت أحمد الله على كل شيء، حتى هذا الوجه.
فأنا لم أعد وجه الشؤم بعد الآن، فالكل يراني الآن: الزوجة، والأم، والجدة ذات القلب الأبيض.
*كاتبة من مصر