1049
0
498
0
728
0
167
0
456
2
105
0
71
1
116
1
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
12339
0
12074
0
11732
1
10914
5
8743
0

د. محمد الموسوي*
يعيش أدب الأطفال في العالم العربي حالة من التباين الواضح بين الماضي والحاضر، وبين الطموح والواقع. فعلى الرغم من أن الطفل العربي يمتلك خيالًا واسعًا وفضولًا لا يقلّ عن أي طفل في العالم، فإن الإنتاج الأدبي الموجّه إليه لا يزال، في كثير من جوانبه، دون المستوى الذي يستحقه. وكلما قلبنا كتابًا للأطفال، أدركنا أن هذه الصفحات الملوّنة ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل هي البذرة الأولى التي تُشكّل شخصية الإنسان، وتبني وعيه بالقيم، وتفتح أمامه أبواب العالم.
لقد مرّ أدب الأطفال العربي بمراحل متعددة؛ ففي بداياته اعتمد إلى حدّ كبير على الحكايات الشعبية والتراثية، مثل قصص السندباد وكليلة ودمنة وألف ليلة وليلة. وكانت هذه الحكايات عامرة بالخيال والمغامرة، غير أنها لم تُكتب في الأصل للأطفال، بل وجد الأطفال أنفسهم يقتبسونها من عالم الكبار. ومع مرور الزمن، بدأ الوعي يتنامى بضرورة وجود أدب خاص بالطفل، يفهم عالمه الصغير ويترجم مشاعره وتطلعاته. غير أن هذا التطور لم يكن متوازنًا في جميع الدول العربية؛ إذ تقدمت بعض التجارب بشكل ملحوظ، بينما بقيت تجارب أخرى أسيرة الإنتاج التقليدي البسيط.
وعند الاقتراب من واقع أدب الأطفال اليوم، يتضح أن المشكلة لا تكمن في قلّة الكتب بقدر ما تكمن في نوعيتها. فكثير من الإصدارات تُكتب دون فهم عميق لخصائص الطفل النفسية والعقلية، فيخرج النص إما معقدًا لا يتناسب مع سنّ القارئ، أو مبسّطًا إلى حدّ الابتذال. ولا تزال بعض الكتب تعتمد أسلوب الوعظ المباشر، وكأنها تخاطب طفلًا لا يتجاوز السادسة بلغة خطابية جامدة. وبين هذا وذاك، يفقد الطفل اهتمامه بالكتاب، ليعود إلى الهاتف أو إلى الرسوم المتحركة التي تقدّم له المتعة السريعة.
ولا يقتصر الخلل على النص وحده؛ فالرسوم تشكّل جزءًا أساسيًا من كتاب الطفل، بل هي في كثير من الأحيان البوابة الأولى التي يدخل منها إلى عالم القصة. ومع ذلك، لا تزال بعض الإصدارات العربية تعتمد رسومًا ضعيفة أو غير جذابة، إذا ما قورنت بما يراه الطفل في كتب الأطفال العالمية، التي تستثمر بشكل كبير في جودة الصورة والأسلوب الفني.
ورغم هذه التحديات، لم تخلُ الساحة من محاولات جادة ومشرقة؛ فقد ظهرت دور نشر عربية تولي اهتمامًا متزايدًا بأدب الطفل، وبدأت بعض المدارس والمكتبات في تنظيم فعاليات للقراءة وتشجيع الأطفال على اقتناء الكتب. كما أسهمت المبادرات الرقمية في خلق مساحات جديدة للقراءة، من خلال الكتب الإلكترونية، والقصص الصوتية، والتطبيقات التفاعلية، وهو ما يدلّ على أن باب التطوير لا يزال مفتوحًا على مصراعيه.
ولتطوير أدب الأطفال في العالم العربي، لا بدّ من الانطلاق من فهم أساسي مفاده أن طفل اليوم يعيش في عالم مختلف، عالم تهيمن عليه الشاشات، والألوان المتحركة، والإيقاعات السريعة. ومن ثمّ، فإن الكتاب الموجّه إليه ينبغي أن يكون أكثر جاذبية، وأكثر قربًا من لغته واهتماماته، وهو ما يتطلب تدريبًا حقيقيًا للكتّاب، يمكنهم من مخاطبة عقل الطفل وقلبه في آن واحد. كما يستلزم الأمر الاستثمار الجاد في الرسوم والتصميم، لأن الطفل يرى قبل أن يقرأ.
ويقتضي التطوير أيضًا تنويع الموضوعات؛ فالطفل العربي يستحق أن يقرأ قصصًا عن التكنولوجيا، والخيال العلمي، والاستكشاف، والبيئة، والصداقة، والمشاعر الإنسانية، لا أن يُحاصر في دائرة ضيقة من القصص الوعظية. كما أن إدماج التكنولوجيا في الأدب نفسه، من خلال الكتب التفاعلية والتطبيقات الرقمية، يمكن أن يحوّل القراءة إلى تجربة ممتعة ومحببة.
ولا يمكن إغفال دور الأسرة والمدرسة في هذا السياق؛ فالطفل الذي يرى والديه يقرآن، والذي يجد في صفه مكتبة صغيرة مليئة بالكتب الملونة، سينشأ وهو يشعر أن الكتاب صديق لا عبء. وعندما تتكامل جهود الأسرة والمدرسة والمجتمع، يصبح ازدهار القراءة أمرًا طبيعيًا، ويزدهر معه أدب الأطفال.
وفي الختام، يبقى أدب الأطفال في العالم العربي مشروعًا كبيرًا ينتظر من يتبناه بجدية ووعي. فالأمة التي تهمل أدب أطفالها، تهمل مستقبلها من حيث لا تشعر. أما حين نقرر أن نمنح الطفل كتابًا قويًا، وقصة تشبهه، ورسالة تحترم عقله، فإننا نؤسس لإنسان أفضل، ونبني جيلًا قادرًا على الإبداع، وحمل أحلامه وأحلام وطنه نحو المستقبل.
*كاتب من العراق
التعليقات