805
0
849
0
543
0
479
0
581
0
3
0
10
0
24
0
10
0
أ. سعد الغريبي* وُلد الشاعر أبو الحسن علي بن محمد التهامي بمكة حوالي سنة 360 وفيها عاش صدر حياته، ثم انتقل منها حيث زار أقطارا إسلامية كثيرة يتكسب بمديح الأمراء، …
13545
0
13389
0
12225
0
12142
0
9580
0

د. محمد الموسوي*
في عالمٍ يتغيّر بسرعة، ويكبر فيه الطفل محاطًا بتحديات جديدة كل يوم، تبقى القصة نافذة دافئة تطلّ على عالم أكثر وضوحًا وأمانًا. فمن خلال الحكاية، يستطيع الطفل أن يفهم ما يعجز الواقع أحيانًا عن شرحه، ويستوعب القيم التي يحتاجها ليصبح فردًا مسؤولًا، مشاركًا، ومحبًا لوطنه ولمن حوله. هكذا يتحول أدب الأطفال إلى جسر رقيق يحمل مبادئ المواطنة من عالم الكبار إلى عالم الصغار بلغة يفهمونها ويحبونها.
عندما يفتح الطفل كتابًا مصورًا، فهو لا يرى مجرد شخصيات ملونة أو مغامرات مشوقة، بل يعيش قصة كاملة تتشكل فيها المواقف والخيارات. وفي كل موقف تُزرع قيمة. ففي قصة الصديق الذي يساعد جاره العجوز، يتعلم معنى المسؤولية الاجتماعية. وفي حكاية الطفل الذي يحافظ على الحديقة العامة، يفهم حقه وواجبه في حماية الممتلكات المشتركة. أما قصة الأبطال الذين يتعاونون رغم اختلافهم، فتعلّمه مفهوم الاحترام والتسامح وقبول الآخر.
إن القصص ليست دروسًا مباشرة، بل مرايا صغيرة يرى الطفل فيها نفسه؛ يفرح عندما ينتصر الخير، ويشعر بالامتنان عندما يساعد الجميع بعضهم، ويغضب عندما يُساء استخدام السلطة أو تُنتهك الحقوق. بهذه الطريقة، تصبح الأخلاق جزءًا من التجربة الوجدانية للطفل، لا مجرد كلمات تُلقى في سمعه. كما يلعب الخيال القصصي دورًا فريدًا في تعليم قيم المواطنة. فحين يقرأ الطفل عن مدينة خيالية يحكمها قانون عادل، أو عن مملكة يحميها شعب متحد، يكون في الحقيقة تعلم المبادئ نفسها التي يحتاجها في حياته الواقعية: العدل، العمل الجماعي، وحب الوطن. إن الخيال هنا ليس هروبًا من الواقع، بل تدريبًا لطيفًا على فهمه والتفاعل معه بإيجابية.
ولا يمكن أن نغفل دور الشخصيات الرمزية التي تتكرر في أدب الأطفال، مثل بطل شجاع يدافع عن الحق، أو شخصية حكيمة توجه الآخرين، أو طفل يسأل كثيرًا ويبحث عن الحقيقة. هذه الشخصيات تمنح الطفل نموذجًا يسهل الاقتداء به دون ضغط أو تلقين، وتفتح أمامه باب التفكير في أخلاقه وسلوكه.
ومع تطور العصر، أصبحت القصص أكثر قربًا من الطفل، تتناول مشكلات البيئة، واحترام التنوع الثقافي، والحقوق الرقمية، وكيفية استخدام التكنولوجيا بمسؤولية. هكذا يظل أدب الأطفال قادرًا على مواكبة التحولات، ليبقى وسيلة فعالة في بناء مواطن واعٍ يعرف حقوقه وواجباته.
في النهاية، يمكن القول إن القصة هي أول معلم للقيم، وأدب الأطفال هو الأرض الواسعة التي تُغرس فيها بذور المواطنة. وكلما كانت الحكاية محبوكة بأسلوب مشوق، وصورة صافية، ولغة بسيطة، استطاعت أن تترك أثرًا أعمق في وجدان الطفل، ليكبر وهو يحمل في قلبه حب الوطن، وفي عقله احترام الآخرين، وفي سلوكه رغبة دائمة في صنع الخير.
*كاتب من العراق